
عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/
"إن السلام الحقيقي يبدأ في قلبٍ يحب؛ وتشهد له شفاه تنطق بكلمات المصالحة؛ وينعكس في عيون تنظر إلى العالم بوداعة وحكمة. هذه هي القوة الحقيقية، قوة الحق والمحبة" هذا ما قاله قداسة البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته خلال صلاة مسبحة الورديّة في ختام شهر أيار المبارك
في إطار دعوته المتواصلة إلى السلام في عالمٍ تمزّقه النزاعات والتوترات، ترأس قداسة البابا لاون الرابع عشر مساء السبت ٣٠ مايو، عند الساعة السابعة، صلاة مسبحة الوردية المقدّسة في مغارة العذراء سيّدة لورد في حدائق الفاتيكان، وذلك في ختام الشهر المريمي. ويأتي هذا اللقاء الروحي بعد عشيّة الصلاة التي أُقيمت في بازيليك القديس بطرس في الحادي عشر من نيسان أبريل، ليؤكد من جديد على الأهمية المركزية للصلاة كطريق نحو السلام، وكاستجابةٍ حقيقية لتحديات العصر. وفي هذه المناسبة، دُعيت مزارات العالم المختلفة إلى الاتحاد مع الأب الأقدس في هذه الصلاة، بمشاركة الحجاج والمؤمنين، في علامة كنسية جامعة تعبّر عن وحدة الصلاة والرجاء عبر القارات. وفي كلمته خلال الصلاة، شدّد البابا على أن الرجاء يبقى حاجة ملحّة في زمن يتّسم بالعنف وعدم الاستقرار، داعيًا إلى الإصغاء العميق لكلمة الله لفهم مسار التاريخ في ضوء عنايته المستمرة. كما أشار إلى العذراء مريم كنموذج للإيمان الذي يصغي بثقة، ويستقبل عمل الله بطاعة كاملة.
قال البابا لاوُن الرابع عشر "إِنِّي أَسْمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ اللهُ الرَّبُّ، لأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِشَعْبِهِ وَلأَتْقِيَائِهِ، وَلِلسَّالِكِينَ إِلَيْهِ بِالثِّقَة". إن كلمات المزمور ترافق صلاتنا لمسبحة الوردية هذا المساء بشكل جميل؛ لأنها تعبر عن الرجاء الذي نشعر أننا بأمس الحاجة إليه، لا سيما أمام صعوبات العصر الحالي وأعمال العنف فيه. لنتهيأ إذن بقلوبنا للإصغاء إلى كلمة الله، لكي نتمكن في الصلاة من فهم مغزى ما يحدث في التاريخ، معترفين بعناية الله التي تقوده دائماً وتغيثنا. إن العذراء مريم هي مثال المؤمن الذي يرهف سمع قلبه ليصغي إلى "ما يتكلم به الله". وهي قدوة لنا بطاعتها التي قبلت تجسد ابن الله في أحشائها.
تابع الأب الأقدس يقول إن تأمل أسرار مسبحة الوردية مع مريم يقودنا إلى الاعتراف بأن يسوع المسيح هو الكلمة الوحيدة والنهائية التي نطق بها الآب، كلمة سلام لجميع الذين يعودون إليه بقلب نادم. إن الرب لا يتركنا أبداً، حتى عندما ننساه، وحتى عندما نضل الطريق، فهو يأتي للبحث عنا ويقترب منا بمحبته الأزلية. وكما يذكرنا النبي أشعيا: "وَأَخْلُقُ عِنْدَهُ ثَمَرَةَ الشَّفَتَيْنِ: السَّلَامُ، السَّلَامُ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ". فمن يضع ثقته في الله يفهم إعلان السلام هذا ويصبح من صانعيه، ويبنيه بيديْه.
أضاف الأب الأقدس يقول فالسلام، في واقع الأمر، ليس نظرية تخضع للفحص في المختبر، ولا هو وهم ساذج، ولا صفقة تُدار من أجل مصلحة؛ بل هو، عندما ننشده بقلب صادق، التزام يومي في حياتنا: ينبع من العدالة والمحبة، كوئام يجمع بين الأشخاص، والعائلات، والجماعات، والشعوب. وحتى في هذا الزمن المليء بالتوترات والصراعات، يصبح السلام ممكناً عندما تتوفر الإرادة للإصغاء إلى صراخ الذين حُرموا منه: الأطفال الأبرياء، الأمهات والآباء المكروبين، الأسرى الذين يُعاملون بسوء، اللاجئين، والمتألمين من جميع الأعمار. وهؤلاء جميعًا ليس على شفاههم سوى كلمة واحدة: السلام!
تابع الحبر الأعظم يقول ونحن نعلم ذلك: السلام ممكن دائماً لأنه عطية من الله. هذا السلام، سلامه هو، يحمل وجه يسوع المسيح، ابن الله، الذي صالح السماء والأرض بحياته التي بذلها من أجلنا. وكما يكتب الرسول بولس: "فَإِنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا": هو الذي يهدم حواجز العداوة، ويقهر الغطرسة بالتواضع، ويفتدي الخليقة بأسرها من الخطيئة.
أضاف الأب الأقدس يقول عندما يكون الرب يسوع معنا ونتصرف كتلاميذ حقيقيين لمحبته، يستطيع الروح القدس عندئذٍ تحقيق ما يبدو مستحيلاً من منظور بشري. أما عندما يبتعد الإنسان عن الله، فإنه يبتعد أيضاً عن أخيه الإنسان، عن قريبه، ويقف غير مبالٍ بآلامه. وفي كل مرة نعود فيها إلى الرب، يصبح سلامه التزاماً علينا، كلٌّ بحسب مهامه ومسؤولياته.
تابع الحبر الأعظم يقول وبذلك تتحول صلاتنا إلى رسالة ونبوءة: فلا ينبغي بعد اليوم أن يكون هناك بكاء أبرياء في مدننا؛ ولا ينبغي لأحد أن يفر من بيته تحت تهديد القنابل؛ وستفسح شهوة السلطة وعنف الكلمات المجالَ للعطش إلى العدالة والحق. غير أنّه بإمكان كل فرد، بل ومن واجبه، أن يؤدي دوره، بدءاً من الأمور الصغيرة ولكن الهامة، بالامتناع عن أي عنف لفظي أو جسدي في الحياة اليومية، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إن السلام الحقيقي يبدأ في قلبٍ يحب؛ وتشهد له شفاه تنطق بكلمات المصالحة؛ وينعكس في عيون تنظر إلى العالم بوداعة وحكمة. هذه هي القوة الحقيقية، قوة الحق والمحبة. إن الله يبحث عن صانعي سلام! فلتساعدنا أمنا الكلية القداسة على أن نجيبه كل يوم بكلمة "هاءنذا"، لا بالقول بل بالفعل.