
أمّ الإنسانيّة جمعاء | مصدر الصورة: صفحة سيّدة جبل الكرمل في فيسبوك
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: د. آمال شعيا
بيروت, الأحد 3 مايو، 2026
في بلدٍ يرزح تحت ثقل الأزمات، لا يزال اللبنانيُّ يرفع عينَيه نحو السماء بحثًا عن بصيص أمل. ومع بداية الشهر المريميّ، يتجدّد حضور العذراء مريم في القلوب، وتمتزج الصلوات بالدموع، وتعلو صرخة شعبٍ أنهكته الحروب والتقلّبات.
تُكرَّم مريم العذراء في الوجدان اللبنانيّ بصفتها أمًّا جامعةً لشعب هذا البلد. عند ذكر اسمها، تخفّ حدّة الانقسامات ويهدأ الضجيج. في الإيمان المسيحيّ، تحتلّ مكانةً فريدة؛ هي أمّ الإله وشفيعة المؤمنين الحاضرة في تفاصيل الحياة اليوميّة. هي ورديّةٌ تُتلى، وشمعة تُضاء، ونذرٌ يُرفَع. العذراء ليست مجرّد رمز، بل حضور حيّ يُلامس وجع الإنسان ويزرع في قلبه رجاءً يتخطّى قساوة الواقع. وكما تقول مريم: «منذ الآن تُطوِّبني جميع الأجيال» (لو 1:48)، في إشارة إلى حضورها الذي يستقرّ في ذاكرة الإيمان عبر التاريخ ويتجدّد في وجدان الشعوب.
ويمتدّ هذا الحضور أيضًا إلى الوعي الإسلاميّ، إذ تُكرَّم مريم بوصفها المرأة المصطفاة الطاهرة، وقد ذُكرت في القرآن الكريم وخُصّت بسورةٍ تحمل اسمها، ما يعكس حضورًا روحيًّا مشتركًا يلتقي حوله المؤمنون في معاني الطهارة والاصطفاء. عند هذا التقاطع، يجتمع اللبنانيّون حول توقٍ مشترك يُجسّد السكينة وسط القلق.
ومع اشتداد الأزمات، تتكثّف الصلوات وتُسكَب الدموع في أحضان مريم، فتولد قدرة جديدة على الاحتمال. هكذا، تتجاوز مريم بُعدها الدينيّ في الوجدان اللبنانيّ، فتغدو علامة أمان وأمًّا تحتضن وطنًا مثقلًا بالجراح، تُذكِّر أبناءَه بأنّ النور، مهما خَبا، لا ينطفئ.
وقد بلغت هذه الأمومة أعمق تجلّياتها في لحظة الصليب، عندما تأسّست علاقة جديدة في قلب الألم: «يا امرأة هوذا ابنُكِ» (يو 19:26-27)، لتغدو مريم أمًّا تُعطى للإنسانيّة جمعاء في عمق المعاناة، لا كفكرةٍ، بل كحضور يتجذّر في الألم ويُحوّله إلى معنى يتجاوز الانكسار.
يا مريم، يا أمّ الإله، ضمّي لبنانَ الجريح إلى قلب يسوع، واحفظي أبناءَه بسلامٍ يفوق كلّ اضطراب، لِيبقَوا راسخين مهما اشتدّت العواصف، آمين.