

في المفهوم الإنساني المتعارف عليه، لا يمكن لمنطق القوة والعنف والصلف أن يغلبَ صوت السلام الصارخ ليتسيّد المواقف على طول خط مسار الحياة البشرية رغم التباين بين صنوي الطرفين ذات العلاقة. فإذا كانت أدوات التأديب في المدرسة التقليدية القديمة يجيز استخدام شيءٍ من القسوة والعنف الجسدي بحق المخالفين أو غير المنضبطين أو العاجزين عن التقيّد بقواعد الدراسة والسلوك الصحيحة أو ما يشبهها من قوانين عامة ملزَمة التطبيق حفاظًا على حسن السلوك في الحياة أو المؤسسة أو العمل، إلاّ أنّ العلوم الحديثة قد نسفت تلك النظريات التي لم تعد صالحة بحسب رواد علم النفس وأصحاب الفلسفات الحديثة في التربية والتعليم والتدبير. فسواءُ السلوك ومدى الالتزام بقواعد الحياة البشرية ينبغي أن يكون في حدود استخدام العقل والحكمة واحترام الآخر عبر التقيّد بآداب الحياة العامة من دون انتقاص من قيمة وقدرة الطرف الآخر المختلف فكرًا وعلمًا وتفاعلاً مع المستجدّات والظروف التي تتغيّر وفق معايير وأحكام آنية أو ظرفية. أمّا مبدأ "العصا لمَن عصى" فلم يعد يصلح في عالم اليوم بعد تغيّر الموازين وآداب الحياة العامة وظروف المنطق الجديدة التي اتخذت من التفاهم والحوار والتآزر والإصلاح المتجدّد طرقًا فضلى لإصلاح المكسور وليس وفق فرض منطق القوّة غير المرغوب به في عصرنا الراهن. فالمدرسة الحديثة تسير وفق هذا المفهوم العقلاني في تسيير شؤون البيت أولاً وصولاً إلى المؤسسات والبلدان والشعوب وليس غيره، حفاظًا على روح إدامة التعاون وبقاء السلم الأهلي قابلاً للعيش والتداول المتكافئ انطلاقًا من التطوّر في الفكر والعمل والعلم وفي احترام قدرات وطاقات وخيارات الآخر مهما اختلف في هذه المفاهيم أو في غيرها.
من هنا، ففي اعتقاد العقلاء لا يمكن التوافق أو القبول بمبدأ سيادة القوّة والعنف والقهر الظالم في عالمٍ يضجُّ بفكرة "الحياة للأقوى" الفوقية من منطلق العودة بالحياة البشرية إلى عهود الإنسان البدائي ضمن غابةٍ تكون فيها السيادة للوحش الأقوى لتكون مسرحًا لسيولٍ من الدماء البريئة والمظالم غير السارّة. فربُّ السماوات والأرض حينما خلق آدم وحواء ليسكنا فردوسَه الأرضي المعدّ لهما بيتًا آمنًا لحياة بشرية طبيعية ممتعة وصالحة، لم يلجأ أو يُشر أو يسمح حين تكاثرِ نسلهما باستخدام وسائل قاهرة للاقتتال والتناحر والسطو والفساد والإفساد في الأرض. لذا عندما أسالَ "قابيلُ" دمَ أخيه "هابيل" بسببٍ من الغيرة والحسد والحقد الدفين، غضب سيّدُ الأرض عليه ولعنه، وأصبح كذلك مثالاً سيّئًا للبشرية منذ بدء الخليقة ولغاية اليوم. وما أكثر ما تشهده البشرية المثقلة بالجراح من هذه الأشكال والأمثال في عصرنا الراهن! ومن المؤسف أنّ هذا ما يجري اليوم بين عباد الله من خليقته التي تتناحر وتتصارعُ وتتقاتلُ على مصير الأرض والماء والهواء ومثلها على حقوق المتعة والمادة والمال وأيّ شيءٍ جديد تنتجُه الأرض لصالح البشرية الجريحة منذ نشأة الخليقة. فما جرى بالأمس ويجري اليوم من تناحر واقتتال في حروبٍ عبثية أبطالُها أدواتٌ بشرية سادها هوسُ القوّة والعنف والصلف في السلوك اليومي السياسي والاجتماعي والاقتصادي لا يسرُّ البتة. بل هو شكلٌ آخر من أشكال القهر الدرامي المشبوه وغير المقبول والشبيه بدراما المافيات الأمريكية أو المكسيكية وما على شاكلتها من أدوات بشرية متخلّفة جلُّ همّها الانتقام والقتل وتسيّد المشهد بالقوّة الرعناء والعنجهية بهدف تشويه الآخر في سمعته والتنكيل بحياته والتحكم بمصيره ومستقبله، رغمَ أن الله الخالق قد منح جميع البشر حنانه ورحمته وأسبغ عليهم نعمَه وغفرانَه وأتاح لهم أفضل الخيارات بدل الانزلاق إلى التهلكة والقتل والقسوة.
رسالة المسيحية في السلام والمحبة والرجاء
حسنًا فعلها بابا الفاتيكان لاون الرابع عشر، حين تجاهله انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفجّة وشديدة القساوة الذي تكابرَ بفرض نفسه رئيسًا لأقوى دولة في العالم ويستطيع إدارة العالم وفق رغباته. ولعلَّ من بين ما كشفه قداسة البابا ولاقى ترحيبًا كبيرًا في أوساط كنسية ودولية إفصاحَه بعدم الرغبة في "الدخول في جدال عقيم" معه حين دعوته الناصحة بضرورة إنهاء الحروب العبثية وانتهاج سمة السلام كي يسود العالم الغائص في أمواج متلاطمة من الاضطراب والإرباك والاقتتال في كلّ شيء سعيًا للارتقاء بالإنسانية إلى الصورة الحسنة التي أرادها الرب الخالق في جبلّته الضعيفة الجميلة حينما خلق الإنسان على صورته ومثاله لينمو ويتكاثر ويسكن الأرضَ ويرعاها ويحرثها ويستغلّها في أحسن تطبيق واستخدام. لستُ هنا بصدد تأييد أو انتقاد أيٍّ من إرادتي الصراع المتناقضتين في المنطق والمنهج والهدف والرؤية للأحداث بين ارتفاع صوت السلام البابوي وفقًا للرسالة الإنجيلية الواضحة وبين إرادة الإيغال في استخدام القوة القاتلة بلا حدود أو رحمة. فأحرار العالم من مثقفي البلدان وصانعي السلام هُم مَن يشهدون ويقفون ويميزون الصالحَ في الأعمال من الطالح في الأفعال. فبالرغم من الإعلان عن هدنة مؤقتة للحرب الضروس الدائرة رحاها بين التحالف الأمريكي- الإسرائيلي والجارة الشرقية والتي عدّها الحبر الأعظم "علامة رجاء" في أفق التفاهم والحوار والدبلوماسية بموجب ما تعتقده وتسعى إليه "الرسالة الإنجيلية" السمحاء، إلاّ أن أفاق السلام ماتزال بعيدة عن تحقيق هذا الرجاء. ففي الوقت الذي يرى عقلاء البشرية وحكّامُها المتزنون في الحكم على الأحداث أنّ ما يجري من صراع دمويّ وتدميريّ في منطقة الشرق الأوسط للأسباب التي لا يمكن تجاهلُها وهي التحجّج بالحق في الوجود والمكابرة وإثبات الذات بين أطراف الصراع الرئيسيّين، إلاّ أنّ المنطق يدلّنا أيضًا بأن التمادي العقائدي العنجهيّ للطرف الآخر والمضيّ في سلوكياته العنترية بالضدّ من إرادات غالبية دول العالم لم يعد مقبولاً إنسانيًا ولا إقليميًا ولا دوليًا. فقد ماطل النظام الإيراني كثيرًا مستخدمًا التقيّة المعهودة عنده منذ عقود حينما غشّ الغربَ الغبيّ والساذج في تفكيره بسبب عدم إدراك هذا الأخير ودرايته الصحيحة بدروب وحقيقة أولويات وأهداف هذا النظام بالوصول إلى مبتغاه بالتوسع والتمدّد على حساب جيرانه ودول المنطقة سعيًا للسطوة عليها ضمن أهدافه عبر إذلال الشعوب العربية خاصةً وبحجة مقارعة الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل ظاهريًا. من هنا، جاءت دعوة البابا لإنهاء الحرب التي أشعلت الشرق الأوسط والمنطقة برمّتها بل ربّما العالم أيضًا، بسبب عنجهية التحالف الأمريكي- الإسرائيلي المتغطرس ضدّ الجارة الشرقية التي لا تختلف في واقع طغيانها ورؤيتها لكيفية إدارة شؤون المنطقة بعد أن تم تسليمُ شؤون إدارة هذه الأخيرة خطاً من قبل ذات الثنائي وبالاتفاق والتوافق مع الحلفاء الأوربيين السذّج والغافلين عن فهم وإدراك أهداف النظام الإيراني بعقيدته الشمولية منذ أكثر من أربعة عقود خلت.
إذا كان بابا الفاتيكان الذي يربو عدد أتباع كنيسته على مليار ونصف مؤمن قد بادر بالترحيب بالهدنة المتفق عليها أملاً بفتح فرصٍ للحوار والتفاهم وتغليب الدبلومسية بديلاً لقرقعة السلاح في فضّ ما هو قائمٌ من نزاعات إقليمية ودولية وتخفيف التوترات، فهو يفعل ذلك انطلاقًا من الرسالة الإنجيلية الراقية والتعاليم المسيحية الصالحة. وإدراكًا منه بخطورة الأوضاع المربكة إقليميًا ودوليًا، فقد خصّص الخميس 16 من نيسان الجاري يومًا للصلاة من أجل نية إحلال السلام في العالم أجمع وإنهاء الحرب القاتلة للنفوس والحارقة للأرض والحرث وما عليها من نعم وخيرات بداعي الانتقام والحقد والكراهية بين الأطراف المتنازعة. كما أنّ حقيقة موقع البابا الدولي كنسيًا ودبلوماسيًا إلى جانب كونه رئيسًا لدولة معترف بها رسميًا بالرغم من صغرها، إلاّ أنّ حضورَه العالمي بين الدول والمنظمات والمؤسسات المدنية العالمية يفرض احترامَه ويعزّز من مكانته وكلمته ورؤيته بين الدول والحكومات. ليس هو "رجل سياسة ولا يسعى لصنع سياسة خارجية منافسة" كما أفصحَ، ولكنه شخصية دولية مرموقة تتعاطى السياسة من موقع الإيمان بالرسالة الإنجيلية السمحاء المبنيّة على سمات الإيمان والرجاء والمحبة. وهو حين يقول كلمَته الحق يسمعُه ذوو الإرادات الحسنة والنوايا الطيبة لكونه يحمل "رسالة السلام" التي يترجى العالم بأسره سماعها وتطبيقها لكونها تمثل الجرسَ الحقيقي لفرح الشعوب ورجائها بعالمٍ أفضل ومستقرّ ومسالم. فهو لا يهتمّ لغير هذه الرسالة الواضحة أمام شعوب الأرض.
من هنا، قال البابا كلمتَه الفصل بعدم "خشيته من إدارة رئيس أقوى دولة في العالم"، لكونه لا يجانب كلمة الحق بل يقولُها صراحةً رغم قساوتها. وفي اعتقاد الكثير من المتابعين للأحداث المتلاحقة، فهذا هو أكثر ما خلقَ شكلاً من الصدام بينه وبين الرئيس الأمريكي "ترامب" الذي لم يستسغ ما صرّح به قداستُه بصدد الصراع القائم في المنطقة والذي كانت له آثارٌ سلبية كبيرة ليس على التجارة والاقتصاد العالميين، بل على صعيد الأذى النفسي والجسدي الذي راح ضحيته الآلاف من الأرواح البريئة. بل راح في انتقاده ووصفه ب"الضعيف في مواجهة الحروب وبالشخص السيّء للغاية". ولكن في المحصلة، سيكون النصر لمنطق السلام والتفاهم والدبلوماسية وفق القانون الدوليّ وليس للقوة والقهر والسطو التي ستبقى عارًا على الانسانية من أيّ طرفٍ من الأطراف المتصارعة. فالضمير الديني الناصح يبقى هو المنتصرَ الأقوى في أية معادلة مقبلة على القرار السياسي الأرعن الذي يفضّل استخدام القوّة وأشكال السلاح في حلّ الأزمات والمشاكل والخلافات.