
النص الكرشوني للتطويبات باللون الأزرق على الإطار العلويّ للصحن الوسطيّ لكنيسة الطاهرة الكلدانيّة-الموصل | مصدر الصورة: صفحة أبرشيّة الموصل وعقرة الكلدانيّة في فيسبوك
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, السبت 25 أبريل، 2026
فيما ينسب بعضهم كلمة «گرشونيّ» إلى مدينة «كرشون»، يقول آخرون إنّ السريان استخدموها لوصف أيّ كتابة بلغة أجنبيّة، مُرجعين أصلها إلى «كرشون» بن موسى الوارد اسمه في العهد القديم ومعناه الغريب. ويعدّها سواهم محرَّفة عن «قُرَشيّ»، ناسبين الكتابة بها إلى قريش.
لكنّ الأنبا د. سامر صوريشو، الرئيس العام للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة، وأستاذ اللغة السريانيّة في جامعة صلاح الدين/أربيل، رجَّح في حديثه عبر «آسي مينا»، اشتقاقها من الفعل السريانيّ «ܓܪܫ-گرَش» ومعناه سَحَبَ، والمقصود سحب الحرف من لغةٍ إلى أخرى.
علينا أن نبيّن أوّلًا أنّ «الكرشونيّ (ܓܪܫܘܢܝ)، بلفظ الكاف جيمًا مصريّة، هو أسلوبٌ يستخدم الحروف السريانيّة للكتابة باللغة العربيّة، وأوّل تدوينةٍ يمكن عدّها دليلًا على حضوره نجدها في مخطوطة إنجيل رابولا الشهيرة التي ترجع إلى القرن السادس الميلاديّ، إذ وردت فيها ملاحظة قصيرة بالكرشونيّ من فترة لاحقة».
ولفت صوريشو إلى أنّ فكرة اقتباس أبجديّة من لغة واستخدام حروفها لكتابة لغة أخرى، موغلة في القِدَم. «فحين ابتدع السومريّون الخطّ المسماريّ لكتابة لغتهم، أتاحوا لحضاراتٍ أخرى فرصة تدوين نصوصٍ بلغاتهم الخاصّة، مستخدمين الحروف المسماريّة، وهكذا فعلت الحضارة الحثيّة، على سبيل المثال، ومثلها الأكديّة أيضًا والأوغاريتيّة».
مع تعاظم الحضور العربيّ المتاخم والمصحوب بانتشار اللغة العربيّة، في القرن السابع، وشيوع استخدامها لدى الشعوب الأصليّة من سريان ما بين النهرين وبلاد الشام، أرادت هذه الشعوب الاستفادة من معارفها اللغويّة في تدوين العربيّة الوافدة، دون أن يضعوا أنفسهم أمام تحدّي تعلّم أبجديّةٍ جديدة، بحسب صوريشو.
ولفت إلى أنّ الانتشار الأوسع والأكثر تنظيمًا للكرشونيّ يمكن ملاحظته، أوّلًا، في مخطوطات السريان الغربيّين منذ القرن العاشر. أمّا لدى الشرقيّين منهم في بلاد ما بين النهرين، فيرجع أقدمها إلى القرن السابع عشر.
لغة حيّة
قد يكون انتشار العربيّة لغةً للتحاور اليوميّ، سببًا في انحسار السريانيّة التدريجيّ، «لكنّها ظلّت حتى الأمس القريب لغة تحاورٍ وقراءةٍ وكتابة في كثيرٍ من القرى والبلدات المسيحيّة، وكانت حتى ثمانينيّات القرن الماضي مستخدمة لدى رهبنتنا، على سبيل المثال، في كتابة الحوليّات الرهبانيّة وسائر المراسلات الأخرى. وما زالت لغة الأدب حتى يومنا هذا، بها تصدر كتبٌ ومجلّات».
وفي هذا الصدد، أشار صوريشو إلى ورود ملاحظات بالكرشونيّ في كتب طقسيّة منها «مُرشد الكهنة»، لحاجة الإكليروس إلى استخدام اللغة العربيّة التي لم يدرسوها في المدارس النظاميّة. وكذلك في مخطوطات عدّة محفوظة في المكتبة البريطانيّة ومكتبة الفاتيكان، فضلًا عن جداريّات في بعض القلاع والكنائس.
الكرشونيّ لكتابة الكرديّة والتركمانيّة
لم ينحصر استخدام الكرشونيّ في العربية، بل اتّسع إلى التركية والمالايامية والفارسية والسوغدية. لكنّ اللافت إشارة صوريشو إلى مخطوطة تعود إلى كاهنٍ خَدَم في أرادن بنواحي محافظة دهوك العراقيّة، تضمّنت قراءاتٍ طقسيّة من الأناجيل والرسائل وتراتيل روحيّة، فضلًا عن قواعد اللغة الكرديّة وقاموسًا لكلماتها. «وهناك مخطوطات مشابهة بالتركمانيّة لكهنة خدموا في كركوك».
انعكست الآية اليوم وصارت المعرفة بالأبجديّة العربيّة أوسَع انتشارًا لدى الناطقين بالسريانيّة من معرفتهم بالحروف السريانيّة. وانقلب استخدام «الكرشوني» فصار للدلالة على كتابة كلماتٍ سريانيّة بحروفٍ «غريبة»، منها العربيّة واللاتينيّة، «ما يسهّل اليوم مشاركة المؤمنين في الصلوات الطقسيّة باللغة السريانيّة، غربيّةً وشرقيّة، التي ما عادوا يقرؤونها، فنكتب لهم الصلوات السريانيّة بالحرف العربيّ».
الرئيس العامّ للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة الأنبا سامر صوريشو. مصدر الصورة: الأنبا سامر صوريشو