
السفير البابوي في لبنان: بيروت تشهد هجمات غير مسبوقة.. لبنان يستحق السلام، والحرب ليست إلا موتاً (AFP or licensors)
عشتارتيفي كوم- افتيكان نيوز/
09 نيسان أبريل 2026
وصف رئيس الأساقفة باولو بورجيا، العائد من مهمة في الجنوب مع البطريرك الماروني الراعي، الوضع في العاصمة حيث تسببت الغارات الإسرائيلية في غضون عشر دقائق في وقوع قتلى ودمار هائل، قائلاً: "من المتوقع استمرار الهجمات بنفس الكثافة لمدة ٤٨ ساعة". وعن استثناء لبنان من الهدنة، قال: "من المأمول بشدة إعلان وقف إطلاق النار هنا وبدء المفاوضات؛ فالهدنة ستعيد فتح الأبواب أمام الدبلوماسية". كما أشار إلى أن كلمات البابا كانت "محل تقدير" حتى من غير المسيحيين.
"لم يسبق أن وقع هجوم بهذا الشكل. يقولون إن عشر غارات متزامنة تقريباً شُنَّت في عشر دقائق... استُخدم عدد هائل من الطائرات الحربية الإسرائيلية، وتتحدث الصحافة عن نحو خمسين طائرة، لكن الأمر يحتاج إلى تأكيد. القتلى؟ حتى الآن أحصى الصليب الأحمر نحو ٨٧ قتيلاً و٧٢٢ جريحاً، ومن المتوقع تحديث هذه الأرقام نظراً لوجود الكثيرين تحت الأنقاض". هذا ما قاله رئيس الأساقفة باولو بورجيا عبر الهاتف بصوت يكسوه الإرهاق. فعلى مدار أكثر من عشر ساعات، كان السفير البابوي في لبنان في مهمة في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد مع البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، لتقديم المساعدات والوقوف بجانب الناس، وليس المسيحيين فحسب. ومع ذلك، صرح لوسائل الإعلام الفاتيكانية بأنه "ليس متعباً على الإطلاق"، على الأقل من الناحية الروحية: "يجب أن نبقي شعلة الرجاء متقدة لننقلها للآخرين". ومع ذلك، فإن المشاهد المسجلة في بيروت، حيث تنتشر الصور والمقاطع لمبانٍ مدمرة وسحب سوداء وحجارة تتطاير فوق المدنيين، تمثل اختباراً قاسياً لأي إنسان.
في جوابه على السؤال حول ما يحدث في بيروت قال السفير البابوي في لبنان طوال اليوم، كانت أصوات قذائف الهاون ترافقنا بسبب الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل. طوال اليوم كنا نرى هذا المشهد. الآن هناك زحام مروري خانق، المدينة مشلولة، وفي الوسط تسمع أصوات صافرات الإنذار وسيارات الإسعاف؛ بيروت مقلوبة رأساً على عقب. الغارات الإسرائيلية لا تزال مستمرة، وبحسب ما نعلم من وسائل الإعلام الإسرائيلية، من المتوقع أن تستمر بهذه الكثافة لمدة ٤٨ ساعة. علينا أن ننتظر لنرى كيف سيتطور الوضع.
تابع السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو دعمه لهدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، مع استثناء لبنان وقال أفهم أنهما وضعان مختلفان، وإن كانا مترابطين. فمن ناحية، إيران مرتبطة بحزب الله، لكن من ناحية أخرى، يمثل حزب الله بالنسبة لإسرائيل مشكلة مستقلة. ومع ذلك، من المأمول بشدة أن يكون هناك وقف لإطلاق النار هنا وبدء مفاوضات لاستقرار الوضع في لبنان تجاه إسرائيل. إنّ حالة الصراع ليست سهلة ولا تفعل شيئاً سوى زيادة حدة الخلافات، فضلاً عن زرع الموت والدمار. وكما هو معروف، ما تريده إسرائيل هو نزع سلاح حزب الله، وهذا الهدف لم يتحقق. وبالتالي فالهدنة ستعيد فتح الباب أمام الدبلوماسية. ومن جهة أخرى، طالبت السلطات اللبنانية مراراً- ورئيس الجمهورية بشكل خاص - بفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل للوصول إلى حل للحرب الجارية. وأعتقد على أي حال أن الطريق يبقى هو الذي أشار إليه البابا لاوُن الرابع عشر خلال صلاة التبشير الملائكي في ١٥ آذار مارس: سلوك "دروب الحوار التي يمكنها أن تدعم سلطات البلاد في تنفيذ حلول دائمة للأزمة الحادة القائمة، من أجل الخير العام لجميع اللبنانيين".
أضاف السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول ما هو الحل الممكن للبلاد وقال هو دائماً الاستمرار في العمل من أجل السلام وإيجاد الحلول حتى عندما تبدو غير متاحة. إنّ الحرب تحمل الدمار والموت والكثير من النازحين، والعديد من المواقف المؤلمة والتي يصعب مواجهتها. لذا، ربما ينبغي على الجميع أن يدركوا أن هذا ليس الطريق الصحيح، وأنه يجب سلوك مسار مختلف وإيجاد مواقف مشتركة وعقلانية.
تابع السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول إن كان يمكن القول إن لبنان يعيش "ساعته الأكثر ظلاماً" وقال لقد عاش لبنان حروباً كثيرة لدرجة أنني لا أعرف ما إذا كانت هذه هي الساعة الأكثر ظلاماً. كل ساعة هي صعبة وتؤثر على أشخاص وظروف مختلفة. كل حرب لها خصوصيتها وتسبب قدراً متساوياً من الألم والدمار. لا أعتقد أنه يمكننا تحديد ما إذا كانت هذه هي الساعة الأكثر ظلاماً أم لا، بالنظر إلى أن لبنان يعيش في حالة حرب منذ أكثر من ٥٠ عاماً.
أضاف السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول وكيف حال الناس، لاسيما أنه تسنى له في الأيام الأخيرة زيارة العديد من القرى والمراكز في الجنوب خلال المهام الإنسانية، وحول ما يقوله الناس وماذا يرجون وقال هناك معاناة كبيرة في منطقة بيروت مع وجود كل هؤلاء النازحين، خاصة من الطائفة الشيعية الذين يعيشون وضعاً صعباً جدًّا. كما نزح العديد من المسيحيين إلى منطقة بيروت أو باتجاه شمال البلاد. بالتأكيد الأمر صعب لأنهم يتركون كل شيء، وهناك مشكلة اقتصادية كبيرة أيضاً، لأن الأنشطة تتوقف إذا ما هُجرت قرى الجنوب. من ثم هناك شعور بالضيق لمن يقيمون خارج منازلهم أو يلجؤون إلى الأقارب والأصدقاء. أما الناس الذين التقيتهم في قرى الجنوب ممن تمكنوا من البقاء، فلديهم ارتباط قوي جداً بالأرض، وهذا يدفعهم للمقاومة والبقاء رغم كل شيء. لكن هناك الكثير من القلق وعدم اليقين بشأن المستقبل، وشعور بالوحدة بسبب العزلة التي يعيشونها؛ فهم لا يستطيعون التحرك! يشعرون بأنهم يحملون عبئاً ثقيلاً ويحملونه بمفردهم. لهذا السبب نذهب ونزورهم، ليشعروا بوجود الكنيسة الجامعة واللبنانية، وخصوصاً حضور الأب الأقدس، وحضور الكثير من الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة الذين يدعمون ويعضدون الأشخاص الذين يعيشون هذه المأساة.
تابع السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول كيف تتردد أصداء نداءات البابا لاوُن الرابع عشر لاسيما وأنه أرسل رسالة بمناسبة الفصح للمسيحيين في قرية دبل، يحثهم فيها على النظر إلى القيامة كمصدر للرجاء وعدم فقدان الشجاعة وقال بالنسبة للمسيحيين، تتردد أصداؤها بمعناها الأصيل تماماً: نحن الآن بحاجة للنظر إلى القيامة. اللبنانيون مؤمنون جداً، لذا فإن عيش الفصح بالنسبة لهم هو عيش لحظة هامة من الإيمان المسيحي. يبدو الأمر وكأننا لا نزال نعيش أيام الأسبوع العظيم، لكننا دائماً نوجه أنظارنا نحو القيامة، نحو الرب الذي يخلصنا ويعدنا بحياة جديدة. وحتى غير المسيحيين يقدرون كثيراً كلمات الأب الأقدس ورسائله، ولاسيما تلك المتعلقة بالسلام، ويقدرون اهتمامه بسياقات الحرب.
أضاف السفير البابوي في لبنان مجيبًا على السؤال حول إن كان يمكن تعميم الدعوة التي وجهها البابا في كاستل غاندولفو خلال لقائه بالصحفيين، لقول: "لا نريد الحرب، نريد السلام!"، لتشمل لبنان وربما حزب الله تحديداً وقال بالطبع، هي دعوة تصلح للجميع. هي دعوة موجهة لكل من حزب الله وإسرائيل للبحث عن سبيل لحل المشاكل وفتح طريق للسلام في لبنان، طريق لحياة جديدة يتمناها هذا البلد ويستحقها.
وختم السفير البابوي حديثه مجيبًا على السؤال حول ما هي صلاته للبنان لاسيما وأنّ البابا قد دعا لمواصلة الصلاة ولعشية صلاة من أجل السلام يوم ١١ من نيسان أبريل الجاري وقال صلاتي هي أن نصل إلى السلام، وأن نعيش في طمأنينة وهدوء. لبنان يمثل دائماً تحدياً لأنه بلد التنوع المليء بالتناقضات؛ والتحدي يكمن في إعادة تركيب كل شيء دائماً بشكل متناغم ليظهر الوجه الجميل لهذا البلد. إنّ الجميع يدرك أهمية السلام، وأن السلام ليس هزيمة، بل هو خير يأتي من الله، وليس استسلاماً أمام الظروف. إنّ السلام عادل، وهو ما يمنح الفرصة، من خلال المصالحة، للانفتاح على الحياة. أما الحرب فهي ليست سوى موتاً.