
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
الحسكة، غوزرتو (الجزيرة) — أثار غياب اللغة السريانية عن لافتات بعض المؤسسات الحكومية في محافظة الحسكة موجة من الانتقادات داخل الأوساط السريانية، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة قد تعكس تراجعاً في الاعتراف بالتعددية اللغوية والثقافية في المنطقة التي تضم واحدة من أقدم الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط.
وجاءت هذه الانتقادات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وإدارية متسارعة، خصوصاً مع الحديث عن مسارات اندماج أو تنسيق بين مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا ومؤسسات الدولة السورية. ويرى بعض ممثلي شعبنا أن هذه التحولات تثير تساؤلات حول مستقبل حضور لغتهم في الفضاء العام والمؤسسات الرسمية.
في هذا السياق، قال الرئيس المشترك لحزب الاتحاد السرياني في سوريا، سنحريب برصوم، إن إقصاء اللغة السريانية من اللافتات الرسمية يحمل دلالات سياسية وثقافية مقلقة. وأضاف في تصريح له:
“من نتائج الدمج السعيد في محافظة الحسكة هو إلغاء اللغة السريانية، وهذا يعني إقصاءً للمكون السرياني الأصيل الذي له الفضل في تأسيس وإنشاء أغلب مدن هذه المحافظة.”
وتابع برصوم محذراً من أن استمرار هذا النهج قد ينعكس سلباً على العلاقة بين المكونات المحلية، قائلاً:
“لا يمكن أن يشارك أي سرياني معكم حتى يتم إعادة حقه المسلوب، ومحاسبة كل من يريد أن يتلاعب بالنسيج الوطني في هذه المحافظة.”
وتُعد اللغة السريانية إحدى أقدم اللغات الحية في المنطقة، وهي الامتداد الحديث للآرامية التي كانت لغة واسعة الانتشار في الشرق الأدنى لقرون طويلة. ولا تزال السريانية تُدرّس في بعض المدارس والمؤسسات الثقافية في شمال شرق سوريا، خاصة بعد إدخالها ضمن المناهج التعليمية خلال السنوات الماضية في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية.
من جهته، قال مالك أسمر، مسؤول مؤسسة “أولف تاو” لتعليم اللغة السريانية، إن الجدل القائم يعكس قلقاً متنامياً داخل المجتمع السرياني بشأن مستقبل لغته في الحياة العامة. وفي تصريح لسرياك برس أوضح:
“تشهد منطقتنا تحولات سياسية متسارعة، ويظهر أحد جوانبها من خلال مسار الاندماج بين مؤسسات الإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة السورية، ويعبّر أبناء شعبنا السرياني عن قلق مشروع يتعلق بحضور لغتهم وخصوصيتهم الثقافية في الحياة العامة.”
وأشار أسمر إلى أن المؤسسات التربوية السريانية لعبت خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في إعادة إحياء اللغة وتعزيز حضورها في المجتمع، رغم التحديات التي واجهت هذه الجهود في بدايتها. وقال:
“لقد كان للسريان دور واضح خلال السنوات الماضية في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية، وكانت مؤسساتنا التربوية من أوائل الجهات التي عملت على إدخال وتطوير التعليم باللغة السريانية وترسيخها في المجتمع، رغم ما واجهته تلك الخطوات في بداياتها من انتقادات ومعارضة من بعض الأطراف التي تعود اليوم لتطرح تساؤلات حول مكانة اللغة.”
وفي الوقت ذاته دعا أسمر إلى التعامل مع القضية بروح المسؤولية الوطنية، محذراً من استغلالها لإثارة الانقسامات بين المكونات المحلية. وأضاف:
“إن هذا النقاش يجب أن يبقى في إطار المسؤولية الوطنية، وأن لا يتحول إلى وسيلة يستغلها من يحاول الاصطياد في الماء العكر وزرع الفتنة بين مكونات المجتمع. فحماية التنوع اللغوي والثقافي مسؤولية جماعية، والحفاظ على ما تحقق خلال السنوات الماضية هو عامل قوة واستقرار للجميع.”
وأكد أن دعم الاستقرار السياسي لا يتعارض مع المطالبة بالحقوق الثقافية، موضحاً:
“نحن ندعم أي مسار يسهم في تعزيز الاستقرار وبناء دولة جامعة لكل أبنائها، لكننا نرى في الوقت نفسه أن الشراكة الحقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل والاحترام العملي لحقوق جميع المكونات، بما في ذلك ضمان حضور اللغة السريانية في المؤسسات والشأن العام.”
من جانبه، عبّر يعقوب برصوم، مدرس اللغة السريانية ومقدم برنامج اللغة السريانية في قناة “سورويو TV في”، عن موقف أكثر حدة تجاه القضية، داعياً إلى تحركات شعبية للمطالبة بالاعتراف باللغة السريانية على المستوى الوطني.
وقال برصوم في تعليق على تصريحات سنحريب برصوم:
“يجب علينا نحن السريان الآشوريون الكلدان والأرمن، وكل مواطن سوري شريف في سوريا مهما كانت قوميته، ومعنا قادة كنيستنا، أن نخرج بتظاهرات واعتصامات حتى يتم الاعتراف بلغتنا السريانية كلغة وطنية في سوريا مثل العربية والكردية.”
وأضاف أن القضية لا تتعلق بمجرد لغة، بل بهوية شعب كامل وتاريخه في المنطقة، قائلاً:
“علينا أن نقيم دعاوى لدى المنظمات الدولية، أو أن تقول لنا الحكومة: انقلعوا من سوريا كونكم لستم مواطنين. وكفانا ركوعاً وانبطاحاً، وأن يقول بعض من قادة شعبنا إننا ليس لدينا أي مطالب.”
وتابع برصوم قائلاً إن على المجتمع الدولي أن يدرك حجم الضغوط التي يواجهها السريان في المنطقة، مضيفاً:
“يجب أن نُعلم العالم بأن شعبنا يتم تهجيره بالقوة واللين والكلمات المعسولة.”
ويعكس الجدل الدائر حول اللافتات الحكومية قضية أوسع تتعلق بمكانة اللغة السريانية ومستقبلها في سوريا، حيث يرى ناشطون ومثقفون أن الحفاظ عليها لا يمثل مطلباً ثقافياً فحسب، بل جزءاً من حماية التنوع التاريخي والحضاري للبلاد.
وفي محافظة الحسكة، التي تُعد واحدة من أكثر المناطق السورية تنوعاً من حيث القوميات واللغات، يقول مراقبون إن كيفية التعامل مع هذه القضية قد تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات السياسية والإدارية على إدارة هذا التنوع وضمان تمثيله في المجال العام.