
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
الخابور، غوزرتو (الجزيرة) — قبل أحد عشر عامًا، استفاقت قرى الخابور الآشورية في ريف الحسكة على وقع هجوم شنّه تنظيم تنظيم د1عش الإرهابي في 23 شباط 2015، في واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ المنطقة الحديث. خلال أيام، خُطِف عشرات المدنيين، ونزحت عائلات بأكملها، وتحوّلت ضفاف النهر — التي طالما روت ذاكرة نينوى وأصداء حضارة آشور — إلى مسرح للذعر والفراغ.
لكن الرواية، كما يصرّ قادة محليون، لم تكن رواية انكسار فقط. ففي مواجهة الهجوم، تحركت تشكيلات محلية على رأسها المجلس العسكري السرياني، الذي تأسس عام 2013، للدفاع عن القرى ذات الغالبية السريانية الآشورية. ويقول أبجر نوحومو، القيادي في المجلس عبر لقاء على فضائية سورويو إن ذكرى الهجوم “تقف بين الألم والمقاومة”، مشيرًا إلى أن المقاتلين “استعادوا القرى وحرروا الرهائن بعد حملة مضادة، رغم ضعف الإمكانات آنذاك”
كان اجتياح الخابور جزءًا من تمدد أوسع للتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، بين عامي 2014 و2015، شمل مناطق ذات حضور مسيحي تاريخي، من سهل نينوى في العراق إلى بلدات غوزرتو (الجزيرة) في سوريا. ويرى نوحومو أن ما جرى “لم يكن حدثًا معزولًا”، بل يندرج ضمن سياسة استهداف أوسع طالت مكونات دينية وإثنية متعددة. في تلك الفترة، انهارت خطوط دفاع في أكثر من جبهة، وتحوّل التهجير إلى واقع يومي لعائلات سريانية آشورية كانت قد نجت من موجات سابقة من العنف عبر القرن العشرين.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد، تبدو القرى التي استعيدت مختلفة عمّا كانت عليه. أبنية متصدعة، كنائس متضررة، وبيوت لم يعد أصحابها إليها. يقول سكان محليون إن الدمار المادي لا يقل وطأة عن النزيف البشري الذي غيّر التركيبة الديموغرافية للمنطقة. فالهجرة إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة تسارعت، تاركة خلفها فراغًا يصعب ملؤه.
على الصعيد الأمني، يؤكد المجلس العسكري السرياني أنه واصل تمركزه في نقاط قريبة من التجمعات السكنية، “من دون الانتشار داخل القرى”، بحسب نوحومو، بهدف تقليل الاحتكاك المباشر مع المدنيين مع الحفاظ على قدرة الردع. ويشير إلى أن التهديد لم يختفِ كليًا، مستشهدًا بهجمات متفرقة نُسبت إلى خلايا نائمة للتنظيم في البادية السورية ومناطق أخرى خلال السنوات الأخيرة.
تأتي هذه التطورات في سياق تحولات أوسع تشهدها غوزرتو (الجزيرة)، حيث لعبت قوات سوريا الديمقراطية، التي يعد المجلس العسكري السرياني أحد مؤسسيها، دورًا محوريًا في قتال تنظيم د1عش الإرهابي، وتشارك ضمن ترتيبات أمنية وإدارية معقدة في المنطقة. ويؤكد نوحومو أن المجلس، بوصفه جزءًا من تلك القوات منذ 2015، يدعم أي صيغة سياسية “تضمن حقوق جميع المكونات في سوريا الجديدة”، بما في ذلك الاعتراف الدستوري باللغة والهوية السريانية الآشورية.
غير أن سؤال المستقبل يظل مفتوحًا: هل انتهى الخطر؟ يجيب نوحومو بحذر. فبرغم تراجع سيطرة التنظيم على الأرض، يرى أن “الملف الإرهابي لم يُطوَ بالكامل”، داعيًا إلى تنسيق محلي ودولي مستمر لمنع عودة العنف. ويضيف أن حماية ما تبقى من القرى التاريخية تتطلب أكثر من انتشار عسكري، إنها تحتاج إلى إعادة إعمار، فرص عمل، وضمانات سياسية تُقنع العائلات بالبقاء أو العودة.
في ختام حديثه، يوجّه نوحومو رسالة إلى أبناء الجالية في الداخل والمهجر، مؤكدًا أن ما جرى عام 2015 “لن يُسمح بتكراره”، وأن المجلس “مستمر في الدفاع عن الأرض والوجود”. لكن بين الوعود والوقائع، تبقى قرى الخابور معلّقة بين ذاكرة محفورة في الحجر، ورهان على دولة لم تتشكل بعد بشكل نهائي.
في تلك القرى، حيث يلتقي النهر بتاريخ طويل من البقاء، لا تبدو المسألة مجرد أمن حدود، بل سؤال هوية وذاكرة: كيف يمكن لشعب صغير العدد، عريق الجذور، أن يضمن مكانه في شرق أوسط لا يكفّ عن إعادة رسم خرائطه؟