

قبل أسبوع تقريبًا انتهت مهمّة القيادة المركزيّة الأميركيّة (CENTCOM)، التي استمرّت 23 يومًا، وتضمّنت نقل أكثر من خمسة آلاف سجين من عناصر تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق، الذي يعاني من مشاكل سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة، داخليّة وخارجيّة.
وكشفت وزارة العدل العراقيّة، الجمعة الماضية أنّ "السجناء وُضعوا في سجن واحد مُؤَمَن، وسيتمّ التحقيق معهم ومحاكمتهم وفق القانون العراقيّ"!
وكشف القضاء العراقيّ، لاحقًا، أنّ عدد الذين نُقِلوا للعراق "بلغ 5704 متّهمين من 61 دولة، بينهم نحو 467 عراقيًّا، وأكثر من 3 آلاف سوريّ". وبهذا فإنّ نسبة العراقيّين 8 بالمئة فقط!
والمدهش أنّ محكمة الكرخ الأولى ببغداد، وبعد الاستجواب الابتدائيّ لأكثر من 500 سجين، ذكرت الثلاثاء الماضي، بأنّها: "فَرَزَت بينهم 157 حَدَثًا"، أيّ أعمارهم أقلّ من 17 سنة، فكيف يُعقل أنّ بينهم 157 حَدَثًا، فهل انتموا "للتنظيم" وَهُم بالمهد، أو ببطون أمّهاتهم؟!
القرار الأمريكيّ بنقل آلاف السجناء للعراق من أغرب القرارات التي اتّخذت بعد العام 2003، ولا شكّ بأنّ بغداد أُرغمت على تنفيذ القرار رغم تأكيدها بأنّ عمليّة النقل تمّت بقرار عراقيّ؟
وعليه هل سيتحوّل العراق لسجن غوانتانامو جديد خاصّ بالشرق الأوسط على غرار سجن "غوانتانامو الأمريكيّ" سيء الصيت في كوبا، وذلك بالتزامن مع الإعلان الخطير لوزير الخارجيّة الأمريكيّ ماركو روبيو بمؤتمر ميونخ: "العالم القديم انتهى، والعالم بصدد حقبة جيوسياسيّة جديدة"؟
ومع هذه الوقائع العالميّة والإقليميّة الغامضة يحقّ للعراقيّين أن يتساءلوا:
- ما المنفعة المتوقّع حصولها للعراق من وجود آلاف السجناء الأجانب "الدواعش" في سجونه، ولماذا يتحمّل العراق هذه الأعباء الأمنيّة والقانونيّة والسياسيّة وغيرها، وأين سيتمّ احتجازهم، وإلى متى، وما المخاطر المتوقّعة من وجودهم في بلاد تعاني أصلًا من تنامي ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، خصوصًا مع قُرب الانسحاب الأمريكيّ النهائيّ من العراق نهاية العام الحاليّ؟
- ولماذا لم تُؤجّل واشنطن انسحابها من قاعدة "عين الأسد" بمحافظة الأنبار منتصف الشهر الماضي، حتّى تَحتجز هؤلاء السجناء بقاعدتها العملاقة إن كانت جادّة في "ضمان بقاء الإرهابيّين بمرافق احتجاز مؤمّنة"، بحسب (CENTCOM)، وبالذات وأنّ عمليّة نقل السجناء تزامنت مع تصريحات وزير الخارجيّة العراقيّ فؤاد حسين بمؤتمر ميونخ: "داعش أصبح نشطًا للغاية مؤخّرًا بسوريا، ودول أوروبا الأكثر تردّدًا في تَسلّم مواطنيها السجناء"؟
- وهل يمتلك العراق قدرات كافية لحماية آلاف السجناء الأجانب في ظلّ تجاربه السابقة بهروب المئات من سجناء "داعش" بالأعوام 2012-2013-2015 من سجون الخالص بمحافظة ديالى، وأبو غريب والتاجي ببغداد، وهل نَست الحكومة تَحكُّم "داعش" بنصف العراق خلال السنوات (2014 – 2017)، ولولا الدعم الدوليّ لكان المشهد العراقيّ اليوم مختلفًا تمامًا؟
وكشفت شبكة "فوكس نيوز" الأميركيّة، أمس الخميس، بأنّ واشنطن أحبطت محاولة فرار "شبه كارثية لنحو 6 آلاف من أخطر معتقلي داعش من سجون سوريا عبر عملية سرّيّة جرى خلالها نقلهم للعراق"، وعملية الهروب " كان يمكن أن تُغيّر المنطقة، وربّما العالم بأسره"!
- وكيف يُمكن تفهم نقل السجناء للعراق تحديدًا، وبينهم 3 آلاف سوريّ، ولماذا لم ينقلوا لدول أخرى تتمتّع باستقرار أمنيّ أكبر إن قيل بأنّه يصعب حمايتهم في سوريا؟
- وكيف سيُوفّر العراق أماكن احتجاز "مُطابقة للمعايير الدوليّة" وسجونه تُعاني اكتظاظًا كبيرًا، وسبق لوزير العدل خالد شواني، أن كشف بأنّ سجون العراق تضمّ "نحو 65,000 نزيلًا، وهذا ضعف طاقتها الأصليّة"؟
- وكيف سيضمن المجتمع الدوليّ وقوع محاكمات عادلة لآلاف السجناء في ظل انتقادات لمنظّمات حقوق الإنسان وحكومات غربيّة، والأمم المتّحدة بخصوص نقلهم للعراق وفرضيّة سرعة محاكماتهم، ومحدوديّة حقّ الدفاع ببعض القضايا، واحتماليّة صدور أحكام بالإعدام؟
وللتاريخ فإنّ الأحكام القضائيّة الطائفية والجائرة، خصوصًا بالسنوات (2005 – 2020)، واحدة من معوّقات المصالحة وبناء العراق وآثارها مستمرّة حاليًّا!
- وأخيرًا ماذا عن تكلفة حماية السجناء واطعامهم ورعايتهم الصحّيّة، ويُقال بأنّها 250 مليون دولار سنويًّا في بلاد تعاني من مشاكل اقتصاديّة دفعت الحكومة بداية الشهر الحاليّ لرفع التعرفة الجمركية بنسب خياليّة تصل إلى 30 بالمئة لغالبية الموادّ، وتوجيه رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني: "الجهات الحكوميّة بتعظيم الإيرادات وترشيد النفقات"؟
هذه الوقائع الأمنيّة والاقتصاديّة تتزامن مع استمرار أزمة انتخاب رئيس الجمهوريّة بين القيادات الكرديّة، وعقدة اختيار رئيس الحكومة المقبلة بإصرار الإطار التنسيقيّ الشيعيّ على التمسّك بمرشّحه نوري المالكي للمنصب، وبقاء الموقف الأمريكيّ الرافض للمالكي وتأكيدهم بأن تكون الحكومة المقبلة: "مُستقلّة بالكامل"، وتصريح الرئيس دونالد ترامب، السبت الماضي، بخصوص ترشيح المالكي: "ننظر بمسألة رئيس الوزراء العراقيّ ولدينا بعض الخيارات بشأنها"!
والخيارات الأمريكيّة المرتقبة مبهمة، ويبقى الضباب يلفّ عموم المشهد بين بغداد وواشنطن!
شبح المصير الغامض هو الملازم لمستقبل العمليّة السياسيّة العراقيّة، ومع ذلك يُدْخِل العراق نفسه في عنق الزجاجة باستقباله لآلاف السجناء الأجانب!
فهل العراق ينتظره سيناريو غامض رُسِم بالغرف المظلمة، أم سيكون دولة فاعلة ضمن التحالف الدوليّ، ومَقَرًّا لسجنًا عالميًّا جديدًا، غوانتنامو، لمَنْ تُصنفهم واشنطن بقائمة الإرهاب؟
@dr_jasemj67