
عناصر من قوات الأمن العراقية عند معبر القائم الحدودي مع سورية (فرانس برس)
عشتارتيفي كوم- العربي الجديد/
شرعت السلطات العراقية بتطبيق تحصينات أمنية واستخبارية غير مسبوقة لتأمين مراكز احتجاز عناصر "داعش" المنقولين من الأراضي السورية إلى العراق، وذلك ضمن ترتيبات إقليمية ودولية معقدة وبإشراف مباشر من أعلى المستويات الحكومية، وسط مخاوف متجدّدة من إمكانية حدوث خروق معينة.
ووفقاً لمعلومات خاصة حصل عليها "العربي الجديد" من مصدر أمني عراقي رفيع، فإنّ ملف نقل واحتجاز عناصر التنظيم يدار وفق معايير أمنية غير مسبوقة تأخذ بعين الاعتبار التجارب السابقة وطبيعة التهديدات المحتملة وحساسية الجنسيات المتعددة للمحتجزين، خصوصاً وأن التحقيقات الأولية التي جرت معهم في العراق أكدت أن من بينهم قيادات خطيرة، وهو الأمر الذي يثير المخاوف ويتطلب إجراءات خاصة، كما أكد المصدر أن التحصينات المعتمدة تتجاوز المفهوم التقليدي للحراسة المسلحة لتشمل جهداً استخبارياً تقنياً متكاملاً.
وأضاف أن قوات نخبة عالية التدريب خضعت لبرامج خاصة في مكافحة الإرهاب وحماية المنشآت الحساسة تتولى حصراً مهمة تأمين محيط المراكز ومنشآتها الداخلية بعيداً عن التشكيلات الاعتيادية، مبيناً أن هذه القوات تعمل ضمن نظام تناوب مدروس وتخضع لإشراف مركزي مباشر مع صلاحيات ميدانية واسعة للتعامل مع أي ظرف طارئ.
وبحسب المصدر، فقد جرى تزويد مراكز الاحتجاز بمنظومات مراقبة ذكية تعتمد على كاميرات عالية الدقة تعمل على مدار الساعة وهي مرتبطة بغرف سيطرة مركزية، مشيراً إلى اعتماد أنظمة تحكم إلكترونية في الأبواب والممرات تمنع أي تنقل غير مصرح به، وتسمح بتتبع حركة الأفراد بدقة زمنية عالية، ما يقلل من احتمالات التمرد أو الهروب إلى أدنى المستويات.
جهد استخباري وإشراف قضائي
يشكل الشق الاستخباري، بحسب المعلومات، العمود الفقري لإدارة هذا الملف، إذ أكد المصدر نفسه أن العمل لا يقتصر على داخل مراكز الاحتجاز بل يمتد إلى محيطها الجغرافي والاجتماعي، موضحاً أن فرقاً استخبارية متخصّصة تتابع أي نشاط مشبوه أو محاولات تواصل خارجية قد تستهدف تلك المراكز. وأضاف أن هناك تنسيقاً مستمراً بين الأجهزة الاستخبارية الوطنية مع تبادل معلومات دقيق بشأن خلفيات المحتجزين وشبكاتهم السابقة ومستوى خطورتهم، لافتاً إلى أن عملية التصنيف الأمني للمعتقلين تُحدَّث دورياً بناءً على نتائج التحقيق والتحليل الاستخباري.
وتخضع إدارة مراكز الاحتجاز لإشراف لجنة مركزية عليا مرتبطة مباشرة برئاسة الحكومة في بغداد، وبالتنسيق مع وزارة العدل والجهات القضائية المختصة، إذ يهدف هذا الإشراف إلى ضمان الأمن من جهة، والالتزام بالمسارات القانونية والقضائية من جهة أخرى. وسيخضع جميع المعتقلين لمحاكمات من المحاكم العراقية المختصة بما ينسجم مع القوانين النافذة والاتفاقات الدولية ذات الصلة.
يأتي هذا التحرك في سياق تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية لإيجاد حلول مستدامة لملف آلاف المعتقلين من عناصر "داعش" المحتجزين في السجون السورية، ولا سيّما بعد تكرار التحذيرات من مخاطر انهيار تلك السجون أو تعرضها لهجمات. وكانت خلية الإعلام الأمني العراقية قد أعلنت في وقت سابق أن العراق تسلم أكثر من ألفي عنصر من عناصر التنظيم، وجرى نقلهم واحتجازهم في مراكز مشدّدة مع بدء عمليات التحقيق الأولي وتصنيفهم وفق درجات الخطورة تحت إشراف قضائي مباشر.
قراءة مجتمعية وتحذيرات مدنية
من جهته، قال المختص في الشأن القانوني وحقوق الإنسان غانم العبيدي، إن تشديد التحصينات الأمنية خطوة ضرورية في ظل طبيعة التهديد، لكن الأهم هو الشفافية في إدارة الملف وطمأنة الرأي العام بشأن سلامة الإجراءات، وأضاف في حديثه لـ"العربي الجديد" أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على الحراسة، بل على منع أي اختراق تنظيمي داخل مراكز الاحتجاز. وأشار العبيدي إلى أن السنوات الماضية أثبتت أن تنظيم "داعش" يعتمد على العمل طويل الأمد ومحاولات استثمار أي ثغرة مهما كانت صغيرة، داعياً إلى استمرار الرقابة المستقلة إلى جانب القبضة الأمنية.
وسبق أن أكدت مصادر عراقية لـ"العربي الجديد" أن السلطات هيأت سجون: "سوسة" في السليمانية، و"الحوت" في الناصرية (مركز محافظة ذي قار)، و"المطار" (كروبر) المجاور لمطار بغداد الدولي، لاحتجاز قادة ومقاتلي التنظيم. وحتى الآن، ترى السلطات العراقية أن الدفعات التي ما تزال تتدفق إلى العراق لم تؤثر على حالة السجون من ناحية الاكتظاظ.