
عشتار تيفي كوم - سيريك برس/
منذ اللحظة التي تعلّم فيها الإنسان أن يدوّن أفكاره، لم تعد المعرفة شأناً فردياً، بل أصبحت مسؤولية جماعية. هكذا وُلدت المكتبات: مؤسسات أنشأتها المجتمعات المتعلّمة لحفظ الذاكرة الإنسانية، وتنظيم شؤون الحكم، وإدارة التجارة، وتوثيق الدين والعلاقات بين الدول. لم تكن تلك المكتبات مجرد مخازن للكتابة، بل كانت تعبيراً مبكراً عن وعي الإنسان بقيمة ما يعرفه، وخوفه مما قد يضيع مع الزمن.
في البدايات، جاءت الأرشيفات على هيئة مجموعات من الألواح الطينية أو لفائف البردي أو الرقوق الجلدية. ومع تعاقب القرون، تطورت هذه المجموعات لتتحول إلى مراكز علمية وثقافية، حيث لم يكن الهدف الحفظ فقط، بل أيضاً الفهم، والتفسير، وإعادة إنتاج المعرفة. بعض تلك المكتبات اندثر بالكامل، وبعضها نجا جزئياً، شاهداً على عصورٍ كانت فيها الكلمة المكتوبة حجر الأساس لأي سلطة أو نهضة.
تُعد أقدم مكتبات التاريخ مراكز منظمة لجمع وتخزين النصوص التي تناولت تفاصيل الحياة اليومية، من القوانين والطقوس الدينية إلى المعاهدات السياسية والمراسلات الدبلوماسية. وقد مكّن استخدام مواد متينة، كالألواح الطينية، من بقاء آلاف النصوص حتى يومنا هذا، ما أتاح للباحثين نافذة نادرة على عالمٍ سحيقٍ في القدم.
من أبرز هذه المكتبات أرشيف بوغازكوي، الواقع في الأناضول بتركيا الحالية، والذي يُنسب إلى الحضارة الحيثية بين عامي 1600 و1200 قبل الميلاد. يضم الأرشيف آلاف الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري، وتتناول قوانين الدولة، والمعاهدات الدولية، والنصوص الدينية، ما يجعله أحد أهم مصادر دراسة السياسة والدين في الشرق الأدنى القديم.
وفي بيث نهرين (بلاد الرافدين)، تبرز مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال في نينوى، شمال العراق، كواحدة من أعظم مشاريع حفظ المعرفة في العالم القديم. احتوت المكتبة آلاف الألواح الطينية، من بينها نسخ متعددة من ملحمة جلجامش، إضافة إلى نصوص فلكية وطبية ودينية وإدارية. ورغم تدمير نينوى عام 612 قبل الميلاد، نجت أجزاء كبيرة من هذه المكتبة، لتصبح اليوم ركناً أساسياً في فهم الحضارة الآشورية.
أما في مصر، فقد مثلت مكتبة الإسكندرية ذروة الطموح الإنساني في جمع المعرفة. تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد، وسعت إلى جمع كل ما كُتب في العالم المعروف آنذاك، بغض النظر عن لغته أو أصله. كانت مشروعاً سياسياً وثقافياً بقدر ما كانت مؤسسة علمية، ورمزاً لفكرة أن المعرفة قوة عالمية لا تعترف بالحدود.
وفي العصر الروماني، برزت مكتبة هادريان في أثينا كمركز علمي وفلسفي خلال القرن الثاني الميلادي، بينما شكّلت مكتبة أفسس في آسيا الصغرى (تركيا حالياً) واحدة من أعظم المكتبات المعمارية في العالم القديم، ودليلاً على المكانة التي احتلتها المعرفة في المدن الكلاسيكية.
ورغم اختلاف الأزمنة والحضارات، تجمع هذه المكتبات حقيقة واحدة: أن الإنسان، منذ أقدم العصور، أدرك أن بقاءه لا يعتمد فقط على القوة أو الثروة، بل على قدرته على حفظ أفكاره، ونقلها، والدفاع عنها ضد النسيان. في عالمنا الحديث، حيث المعرفة رقمية وسريعة الزوال، تبدو هذه المكتبات القديمة أقل بُعداً عنا مما نتصور، وأكثر راهنية مما نحب أن نعترف.