

لو تأملت "نسيجاً" يدوياً متقناً، ستجد أنه عبارة عن آلاف الخيوط المتباينة في ملمسها وألوانها. هناك خيوط حريرية ناعمة، وأخرى صوفية خشنة وقوية؛ خيوط زاهية تخطف الأبصار، وأخرى داكنة تمنح اللوحة عمقها وتوازنها. كل خيط بمفرده قد يبدو بسيطاً، لكن حين تتشابك هذه الخيوط وتغزلها يد "الانتماء"، نصل إلى ثوب وطني متين يبهر الأبصار. هذا تماماً هو سر الوطن؛ إنه "نسيج الروح" الذي لا تكتمل قوته إلا بتعدد خيوطه وتآلفها.
الاختلاف ليس شقاقاً.. بل ثراء
غالباً ما يُنظر إلى الاختلاف على أنه عائق أمام الوحدة، لكن الحقيقة تقول العكس؛ فالاختلاف في الثقافات، اللهجات، العادات، وحتى الرؤى، هو الذي يمنح الوطن "عمقاً" وحيوية. تخيل وطناً بلون واحد، وصوت واحد، وفكر واحد؛ سيكون أشبه بآلة صماء تفتقر إلى النبض. إن عظمة الوطن تكمن في قدرته على احتضان هذه التباينات، وتحويلها إلى طاقة دافعة نحو "الازدهار المشترك".
جمالية التنوع في نسيجنا الواحد
عندما يلتقي ابن الجبل مع ابن الساحل، وابن المدينة مع ابن القرية، ينشأ تلاقحٌ ثقافي يغذي الهوية الوطنية. هذا التنوع هو الذي صنع مطبخنا الغني، وأزياءنا التي تحكي قصصاً مختلفة، وموسيقانا التي تدمج بين مقام وآخر. في هذه "الفسيفساء الإنسانية"، لا توجد قطعة أهم من أخرى؛ فالكل يساهم بفرادة لونه وموقعه في إتمام الصورة الكبرى.
كيف نحمي هذه اللوحة؟
إن جمال أي فسيفساء يكمن في "المادة" التي تمسك القطع ببعضها البعض، وفي وطننا، هذه المادة هي "الاحترام والمواطنة". لكي تبقى لوحة الوطن زاهية، علينا تبني قيمٍ تجمعنا:
الخاتمة: نحنُ اللوحة.. والرسامون أيضاً
إن الوطن ليس مجرد جدرانٍ صامتة، بل هو نبضنا المستمر؛ هو نحن في أجمل تجلياتنا. نحن القطع الملونة التي تمنحه هويته، وكل فردٍ فينا هو بصمة لونية فريدة لا يمكن تعويضها. حين ندرك أن سرَّ جمال "روحنا الجماعية" يكمن في هذا التنوع المدهش، سنتوقف عن محاولة صهر الآخرين في قوالبنا، وسنحتفي باختلافاتنا كفعل حب وانتماء أصيل.
لوحة الوطن لا تبحث عن تطابق الألوان، بل تحتاج إلى الانسجام.
أنت لست مجرد لونٍ على هذه اللوحة، بل أنت يد الفنان التي تمسك بريشة الأمل؛ وبيدك أن تجعل من هذا الوطن أيقونةً تشعُّ بالجمال والوحدة. إنها دعوتنا لنرسم معاً غداً يفيض بالألوان، غداً يشبهنا في تألقنا وقدرتنا على الإبهار.
تذكر دائماً أنك لست مجرد مُشاهدٍ أمام هذه اللوحة، بل أنت جزءٌ حيويٌّ وأصيل منها؛ فإما أن تزيدها بفرادتك جمالاً وإشراقاً، أو تساهم في بهتان صورتها. نحن اللوحة.. ونحن من يقرر كيف يراها العالم، وبإبداعنا وانسجامنا نحنُ من سيهدي العالم أجمل ملامحها.