
قداس لمسيحيين عراقيين في الموقع الأثري لكنيسة كوخي، جنوب بغداد، في 23 أغسطس/آب 2019. AP
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
العراق_ لم تعد هجرة المسيحيين العراقيين شأنًا يخصّ مكوّنًا بعينه، ولا قضية دينية أو اجتماعية معزولة، بل تحوّلت إلى مؤشر خطير على عمق الأزمة الوطنية التي يعيشها العراق منذ سنوات. فحين يهاجر أبناء هذا البلد الأصيل، الذين شكلوا جزءًا من نسيجه الحضاري والإنساني منذ آلاف السنين، فإن الوطن بأسره هو من يفقد جزءًا من روحه وتنوّعه وتوازنه.
في هذا السياق، أصدرت البطريركية الكلدانية بتاريخ 10 كانون الثاني 2026 بيانًا صريحًا وجريئًا، تناولت فيه الأسباب الحقيقية لاستمرار نزيف الهجرة المسيحية، واضعة الإصبع على جراح الدولة لا على عواطف الناس. فالبيان لم يكتفِ بوصف النتائج، بل سمّى جذور المشكلة: غياب الاستقرار السياسي، تراجع أداء مؤسسات الدولة، تفشّي الفساد، ارتفاع نسب البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية، وهي أزمات تطال جميع العراقيين، لكنها تضرب الأقليات بشكل أعمق وأكثر هشاشة.
لقد عانى المسيحيون، كما غيرهم من أبناء العراق، ويلات العنف والإقصاء، لكنهم كانوا من أكثر المتضررين من التهجير القسري والاعتداءات التي رافقت اجتياح تنظيم داعش للموصل وسهل نينوى. وما زالت آثار تلك المرحلة الثقيلة حاضرة في الذاكرة الجماعية، تولّد شعورًا دائمًا بالخوف وعدم الأمان، وتُضعف الثقة بإمكانية مستقبل مستقر داخل الوطن.
ويشير البيان بوضوح إلى استمرار الانتهاكات بحق المسيحيين، سواء في ممتلكاتهم أو وظائفهم أو وجودهم الرمزي والثقافي، فضلًا عن محاولات طمس تراثهم الديني والحضاري، في ظل غياب محاسبة حقيقية للمتورطين، وضعف إرادة الدولة في حماية حقوقهم الدستورية كمواطنين متساوين. إن هذا الإهمال لا يهدد المسيحيين وحدهم، بل يهدد فكرة المواطنة ذاتها، ويقوّض أسس الدولة العادلة.
وفي بعدٍ داخلي شجاع، لا يتجاهل البيان الواقع المعقّد داخل المؤسسة الكنسية نفسها، حيث تتفاوت المواقف بين قيادات مترددة أو عاجزة عن الفعل، وأخرى واقعة تحت ضغط المال والسلطة، في مقابل أصوات مضيئة وشجاعة ما زالت تحمل الرسالة الأخلاقية والإنسانية بصدق، وتشكل بارقة أمل في الدفاع عن المجتمع المسيحي وكرامته وحقه في البقاء.
إن الدعوة إلى وحدة الأحزاب المسيحية، وتكامل دور الكنائس، والانفتاح على حلفاء وطنيين صادقين في الداخل والخارج، ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لوقف نزيف الهجرة، وضمان حقوق أساسية كالأمن، والعمل، والعدالة، والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. فالتنوّع ليس عبئًا على العراق، بل أحد أعمدة قوته التاريخية.
إن هجرة المسيحيين ليست قضية أرقام أو إحصاءات، بل مرآة تعكس أزمة دولة ومؤسسات. وأي مشروع وطني حقيقي للحفاظ على هذا المكوّن الأصيل يتطلب إصلاحًا جادًا، وعدالة فاعلة، ومواطنة متساوية، تتجاوز الخطابات إلى أفعال ملموسة. كما أن الرسالة الأخلاقية والدينية للكنيسة مدعوة اليوم إلى أن تتحول إلى مبادرات عملية، تحمي الإنسان، وتصون التنوع، وتعيد الثقة بأن العراق يمكن أن يكون وطنًا للجميع.
فالعراق الذي يفقد مسيحييه، يفقد جزءًا من تاريخه، والعراق الذي يحمي تنوّعه، يحمي مستقبله.