اللغة السريانية خارج لافتات المؤسسات في الحسكة وتحذيرات من تهميش المكوّن التاريخي      قداسة البطريرك مار آوا الثالث يترأس الاحتفال بالقدّاس الالهي في كنيسة مار كيوركيس الشهيد – ديانا/ أربيل      غبطة البطريرك يونان يترأّس رتبة درب الصليب يوم الجمعة من الأسبوع الرابع من زمن الصوم الكبير      قداسة البطريرك أفرام الثاني يستقبل صاحب القداسة الكاثوليكوس آرام الأول كاثوليكوس بيت كيليكيا الكبير للأرمن الأرثوذكس      صلاة السلام والراحة بمناسبة منتصف صوم الخمسين "ميچينك" في كنيسة القديسة مريم العذراء للأَرمن الآرثوذكس في زاخو      ابناء رّعيّة كاتدرائية مار يوخنا المعمدان - عنكاوا يشتركون في التّقليد السنوي (پلّو)      بيان مسكوني مشترك حول تفاقم الصراع في الشرق الأوسط      مجلس كنائس الشرق الأوسط يدين القصف الذي أودى بحياة الأب بيار الراعي      البطريرك لويس روفائيل ساكو يقدم استقالته      سيادة المطران مار بشار متي وردة: الكورد يريدون البقاء خارج "برميل البارود" في الشرق الأوسط      ثغرة أمنية خطيرة تصيب هواتف أندرويد حول العالم.. كيف تحمي نفسك؟      إنتقادات لصمت بغداد.. إقليم كوردستان تعرض لنحو 50 هجوماً خلال الـ 48 ساعة الماضية      شركة غاز البصرة: نؤمن 3000 طن من الغاز المسال يومياً للاحتياجات المحلية      ترامب يهدد بضرب شبكة النفط في "خرج" إذا استمر إغلاق هرمز      البابا لاوُن الرابع عشر يشدد على ضرورة الاهتمام بالبعد الأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي      هكذا تستعاد العافية الذهنية والجسدية في مرحلة الشيخوخة      واعظ الدار الحبريّة: لا يمكن الاكتفاء بمثاليّة الأخوّة في زمن الحروب      رحلة الـ 12 ساعة.. العراق يواجه "كابوساً" وسط الحرب من أجل المونديال      ولي عهد البحرين يحث الكنائس على البقاء مفتوحة وسط صراع الشرق الأوسط      لحمايتهم من المخاطر.. الاتحاد الأوروبي يدرس حظر وسائل التواصل للأطفال
| مشاهدات : 2406 | مشاركات: 0 | 2025-12-22 12:41:15 |

زنزانة الذاكرة

كفاح الزهاوي

 

 

    في هذا النص، لا تُروى الحكاية من فم راوٍ، بل من فم الجدران، من صمت الأشياء، من ذاكرةٍ لم تُشفَ. زنزانة الذاكرة ليست مكانًا، بل حالة وعي، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، ويُصبح الألم هو اللغة الوحيدة التي لا تنسى.

 

    "صدى لا يموت"

    ــ أنت تعرف لماذا أنت هنا؟

    لم يكن الصوت صادرًا من الخارج، بل من داخل الجدران، من رطوبةٍ قديمةٍ لم تجف.

    انزوى في الزاوية المعتمة من الغرفة، حيث الستائر الداكنة لا تسمح إلا بشقّ ضوءٍ خجول، كأنه يُستأذن قبل الدخول.

    جلس كما كان يجلس هناك، في زنزانةٍ قديمة، يحدّق في الطاولة البالية أمامه. خشبها مشروخ، كأنها تحمل آثار ضرباتٍ قديمة، تشبه تلك التي جلس خلفها المحقق ذات مساء جنوبي، يلوّح بملفٍ ثقيل، ويكرّر السؤال ذاته، بنبرةٍ لا تنتظر إجابة.

    كل شيء في الغرفة الآن يتآمر على ذاكرته. الكوب الزجاجي، الحليب الفاسد، الأوراق المبعثرة… كلها ليست أشياء، بل شهود. حتى القلم الرصاص، الذي يحتضر بصمت، يشبهه حين خرج من السجن: نصفه مكسور، ونصفه لا يزال يكتب.

    كيف له أن ينسى غرفة الاستجواب؟ وجه الضابط البشع وهو ينهال عليه بوابلٍ من الشتائم، يبصق لعابًا مهينًا غمر وجهه، كأنما يُغرقه في مستنقع من القذارة. رفع يده ليمسح ما علق به من إذلال، فما إن تحرّكت حتى انقضّت عصا سوداء، انزلقت على معصمه كنيزكٍ أعمى، فحطّمت عظامه.

    عندها فقط، تراجعت الإهانة إلى الظل، كأن الألم الأشدّ قد انتزع منها حقّ الصدارة، وفرض سطوته على الذاكرة. لم تكن الإهانة لتُنسى، بل دُفنت حيّة تحت أنقاض الألم، تصرخ بصمتٍ لا يُسمع.

    وكانت تلك الأشياء، التي تراقبه بصمت، كأنها تنتظر لحظة الانفجار… لحظة الصرخة.

    صرخةٌ مدوّية، ويدٌ ثقيلة ترتطم برقبته الواهية، كجدارٍ هشٍّ متروك، دمرته ضربات الأعاصير وزخّات المطر. لم يعد قادرًا على تحمّل الصدمات، وتلقائيًا امتدت يداه ليضمّ مداخل أذنيه، جاعلًا منهما عازلًا يصدّ ذبذبات الألم.

    شعورٌ داخليٌّ هائم على بحرٍ من تراكماتٍ قديمة، وجراحاتٍ ثخينة، امتدّت في دروبٍ ضيقة، تتصاعد بإيقاعاتٍ متذبذبة، وتصدّعاتِ الزمنِ المعطّل؛ قد ساهمت في إحداثِ انفجارٍ بركاني، يفتح أخاديدَ جديدة، ويُزيل ماكينةَ الذكرياتِ الجميلة… فيما الشعورُ يبقى راكدًا، في جحيمِ الزمنِ المعطّل.

    شعاع صارخ من أضواء السيارة يخترق شقوق الستائر، لينسكب في عينه كطعنة من زمن آخر، يوقظ لحظات الاستجواب العنيفة. تلك اللحظات المرعبة في دهاليز غير مرئية تختفي فيها الروح. لم يعرف سبيلًا إلى هذا، ولم يجد شفيعًا ينقذه من زنزانة ذاكرة لا فكاك منها.

    يدفن وجهه بين راحتيه، كأنما يهرب من رؤية معاناةٍ باتت كسرابٍ يتشكّل أمامه، ببشاعة الوحش الجائع. ثم، من عمق الصمت، عاد الصوت ذاته، لا من الجدران هذه المرة، بل من داخله تمامًا:

    ــ أنت تعرف لماذا أنت هنا؟

    لم يجب.

    لم يكن هناك من يجيب.

    فقط زنزانة، بلا قضبان، بلا أبواب،

    لكنها محكمة الإغلاق… في الذاكرة.

 

 










h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.5113 ثانية