العثور على ورشة عمل لألواح مسمارية في نينوى القديمة      بتوجيهات مباشرة من معالي رئيس الديوان.. متابعات ميدانية لإعمار كنيسة "مسكنتة" للكلدان      غطاء رأس بطاركة كنيسة المشرق وأساقفتها… مسيرةُ تَطوُّر جَمعت التقليد والرمزيّة      قداسة مار كوركيس الثالث يونان يحتفل بالقداس الإلهي بمناسبة تذكار القديس مار كوركيس الشهيد - كاتدرائية مريم العذراء البطريركية في بغداد      البطريرك أفرام الثاني من الحسكة: باقون في هذه الأرض بحرية وكرامة      لجنة التعليم المركزي التابع لايبارشية اربيل الكلدانية تقيم لقاءً تربويًا جامعًا في مركز كنيسة الرسولين      170 عامًا على «عمل الشرق»… دعوة إلى تضامن روحي ومادّي مع مسيحيّي المنطقة      غبطة البطريرك يونان يحتفل بالقداس في إرسالية مريم العذراء "يولداث ألوهو" السريانية الكاثوليكية في مدينة أوكسبورغ – ألمانيا      عيد القديسة مار شموني وأولادها السبعة - كنيسة مار زيا – لندن، أونتاريو / كندا      رسالة التّعزية الّتي بعث بها قداسة البطريرك مار آوا الثّالث لرقاد الأب الخورأسقف سليم برادوستي      شريط القديس غيورغي.. كيف أصبح أحد رموز المجد العسكري الروسي؟      هل يمكن إعادة ضبط الجهاز العصبي؟ العلم يضع حدا للجدل      4 أشياء تهدد برشلونة بكارثة في الكلاسيكو أمام ريال مدريد      البابا لاون يوجّه أكثر من 400 نداء للسلام خلال السنة الأولى من حبريته      هيمن هورامي: توقيع اتفاق بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإطار التنسيقي      العراق.. رئيس الوزراء المكلف يقدم البرنامج الحكومي إلى البرلمان      مشروع أميركي خليجي لفك حصار "هرمز"      مرور أربيل تعلن عن تغيير في نظام الاستعلام عن المخالفات المرورية      اكتشاف نفط في العراق باحتياطيات ضخمة قرب حدود السعودية      وسط مخاطر النماذج المتقدمة.. مباحثات أميركية صينية لـ"ضبط" سباق الذكاء الاصطناعي
| مشاهدات : 2547 | مشاركات: 0 | 2024-09-28 06:37:33 |

أغنية النهر

نشوان عزيز عمانوئيل
 
 
قصة قصيرة 
 
خريف 2024 
 
 
 
 
لم يكن النهر يهمس تلك الليلة كما كان يفعل في سائر الليالي، بل كان يغني.
 جلست على ضفافه، كما كنت أفعل منذ أن كنت صبياً، أراقب المياه المتدفقة من الشمال إلى الجنوب، كأنها روح الزمن نفسه. لا يهم من أين جاءت، ولا أين تذهب، كانت دائمًا هنا، وكانت دائمًا تذهب إلى حيث لا نعرف.
 
كان الهواء مفعمًا برائحة الأرض الطينية التي بللتها أمطار الليلة الماضية، وصوت الضفادع يتناغم مع الأغنية التي ينشدها النهر. الليل غارق في السكون، إلا أنني كنت أسمع ما لا يسمعه الآخرون؛ كانت هناك أصوات خفية، همسات تتسلل مع نسائم الليل، أصواتٌ تحمل قصصًا قديمة منسية.
 
على ضوء القمر الخافت، رأيت شبحًا في الأفق، لم يكن إنسانًا ولا حيوانًا، بل ذكرى. ذكرى "مصطفى". كان ذلك الرجل، الذي أتى إلى قريتنا قبل ثلاثين عامًا، وما زال اسمه يتردد في أحاديث الناس. كان رجلاً غريبًا، قدم من مدينة بعيدة ، قال إنه يريد أن يستقر هنا، على ضفاف النهر، بعيدًا عن ضوضاء المدينة. لم نعرف من أين جاء، ولم نسأله، فنحن في القرية لا نسأل الغرباء عن ماضيهم، نترك لهم حرية حمل أسرارهم كما يشاؤون.
 
لكن مصطفى لم يكن مثل بقية الغرباء الذين مروا من هنا. كان يحمل في عينيه ظلالًا من حزن دفين، كأنما كان قد عاش ألف حياة قبل أن يصل إلى هذه الأرض الطينية. استأجر غرفة صغيرة في بيت الحاج "عبد القادر"، وأخذ يعمل في الحقول مع أهل القرية، صامتًا أغلب الأوقات، لكنه دائمًا يجيب بابتسامة خفيفة عندما يسأله أحدهم عن شيء.
 
النساء كنَّ يتهامسن حوله، يتحدثن عن وسامته وعن مظهره الغامض. أما الرجال، فكانوا يراقبونه بحذر، فهو رغم كل شيء كان مختلفًا. لكن مصطفى لم يكن يهتم بتلك النظرات، كان يعيش بيننا، وفي الوقت نفسه، يعيش بعيدًا عنا.
 
مرَّت السنوات، ومصطفى أصبح جزءًا من القرية، حتى تزوج "زينب"، ابنة الحاج عبد القادر. كان زواجًا بسيطًا، لكننا شعرنا بشيء غير عادي في تلك الليلة. العريس لم يبدُ سعيدًا كما يجب أن يكون العريس، والعرس لم يكن مليئًا بالأغاني والرقص كما كنا نعتاد. بدا مصطفى وكأنه يحمل على كتفيه عبء العالم كله، لكن لم يقل شيئًا.
 
ومع مرور الأيام، بدأ الناس يلاحظون شيئًا غريبًا. كان مصطفى يختفي كل ليلة عند منتصف الليل، يذهب إلى النهر ويجلس هناك حتى الفجر. البعض قال إنه كان يتحدث مع الجن، وآخرون قالوا إنه كان يصلي صلاة غريبة لا يعرفها أحد. لكن زينب، التي كانت تحب زوجها بعمق، لم تقل شيئًا. كانت تراقبه بصمت، تعودت على غموضه كما تعودت على هدوء النهر.
 
وفي إحدى الليالي، اختفى مصطفى نهائيًا. ذهب إلى النهر كما كان يفعل دائمًا، لكنه لم يعد هذه المرة. بحثنا عنه في كل مكان، في الغابات، وفي الحقول، حتى ذهب بعض الرجال إلى المدينة ليسألوا عنه، لكن لا أثر له. كأن الأرض انشقت وابتلعته.
 
زينب بقيت في بيتها، شاردة الذهن، لا تبكي ولا تتكلم. كان من الواضح أن مصطفى قد ترك شيئًا وراءه، شيئًا لا يمكن لأي منا أن يفهمه. وبعد شهور قليلة، رحلت زينب هي الأخرى، ودفنَّاها بجوار النهر الذي أحبَّته بقدر ما أحبَّت زوجها.
 
القرية عادت إلى هدوئها المعتاد بعد ذلك، لكن قصة مصطفى وزينب بقيت حية، ترويها الأمهات لأطفالهن ليلاً. كان الناس يقولون إن روح مصطفى ما زالت تجوب على ضفاف النهر، تبحث عن شيء لم تجده في حياته.
 
واليوم، وأنا جالس هنا، في نفس المكان الذي كان يجلس فيه مصطفى، أستمع إلى أغنية النهر. ربما كان النهر هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة، لكنه، كما البشر، لا يحب أن يتحدث كثيرًا.









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6488 ثانية