قداسة البطريرك أفرام الثاني يحتفل بالقداس الإلهي في كنيسة مار ملكي في ديلبروك في ألمانيا      البابا فرنسيس يستقبل الرئيس الفرنسي ماكرون      مؤسسة سورايا للثقافة والإعلام تزور القنصلية الهنغارية في أربيل      الاتحاد السرياني وزع المساعدات المادية الشهرية، مراد نحن أبناء المقاومة المسيحية اللبنانية التي أركعت الاحتلالات      بالصور.. مركجيا      البابا فرنسيس: لينهض لبنان، إنها رسالة علينا أن نناضل من أجلها      غبطة البطريرك يونان يصل إلى دار مطرانية القاهرة حيث تستقبله مدرسة القديس ميخائيل إدارةً وأساتذةً وطلاباً، القاهرة – مصر      قداسة البطريرك افرام الثاني يترأس صلاة جناز ودفن القس بطرس برنار      إنتهاء أعمال الترميم في دير القدّيس جاورجيوس محرده      قداسة البطريرك مار اغناطيوس يترأس صلاة الرمشو في رعية مار يوحنا المعمدان في مدينة لييج – بلجيكا      خبراء يكشفون عن علامات على الأظافر قد تعكس حالات صحية أساسية بينها السرطان      العراق يطلق "الرحلة الرابعة" لإجلاء مزيد من العالقين على حدود بيلاروس      أول تصريح لكبير خبراء الاوبئة عن المتحور "أوميكرون"      "الموصل الخضراء".. مبادرة لإنعاش "رئة العراق" بعد خراب داعش      دي ماريا يتحدث عن معاناة ميسي في باريس      رسالة البابا إلى المشاركين في الأسابيع الاجتماعية في فرنسا      الموارد المائية في اقليم كوردستان: إيران قطعت إمدادات الماء بنسبة 100%      مفاوضات فيينا.. شروط تعجيزية لإيران و"خطة بديلة" لأميركا      إصابات كورونا العالمية تقترب من 260 مليونا      مفاجأة.. مانشستر يونايتد يختار "الأب الروحي لكلوب" مدربا
| مشاهدات : 457 | مشاركات: 0 | 2021-10-19 14:57:24 |

انتخابات تشرين "المبكرة" 2021، وأسرارُها بين الخاسر والرابح

لويس اقليمس

 

 

الآن، وبعد أن كادت حرب الانتخابات البرلمانية "المفصلية الجزئية" في العراق تضعُ أوزارَها، وعرفَ كلُّ حزب أو سياسيّ أو مواطن أو مهتمّ أو متابع حجمَه وثقلَه وكشفَ عن رؤيته وتوقعاته وأمله بما ستؤولُ إليه أوضاع البلاد في الأسابيع المقبلة، كان لا بدّ من مراجعة صحيحة لمجريات الأمور ما قبل يوم الاقتراع من أجل الوقوف على احتمالات ما بعده. لن أدخل في تفاصيل نسبة المشاركة والتقاعس الشعبي الواضح في الإدلاء بالصوت الانتخابي، ولاسيّما عزوف جيل الشباب المتمرّد حدّ النخاع على تفاقم الأوضاع عامةً. فما ذكرته مفوضية الانتخابات عن نسبة مشاركة أولية بحدود 41% لم يكن دقيقًا في المقاييس الدولية في اعتمادها لهذه النسبة باحتساب عدد البطاقات البايومترية المصادق عليها، وليس وفق نسبة مَن يحقّ لهم التصويت من المجموع العام للطاقة البشرية المسموح لها بالتصويت. وبموجب هذه البطاقات، سواءً المستلمة منها أم التي لم يتم استلامها وتبلغ أكثر من مليون ونصف المليون بطاقة، فإنّ المراقبين قدّروا نسبة المشاركة الفعلية ب 34% كحدّ أعلى، فيما أشار سياسيون ومراقبون غيرهم عدم تجاوز نسبة المقترعين من مجموع مَن يحقّ لهم الانتخاب أكثر من 20% أو تجاوزها بقليل. كما أننا لا يمكن أن نتجاهل المشهد العام الذي أدى إلى انحسار المشاركة الواسعة كما توقعها الجميع بالرغم من الجهود المبذولة في الدعوة لمشاركة واسعة سواءً من شرائح نخبوية وثقافية واجتماعية أو من مراجع دينية أو منظمات دولية ومحلية ناشطة، وذلك بسبب فقدان الثقة بمعظم الطبقة السياسية الفاسدة حدّ النخاع، والتي تقف وراء تدني نسبة المشاركة في التصويت.

بطبيعة الحال، هناك أسرارٌ كثيرة قد يتم الكشف عنها في قادم الأيام والأشهر عندما يجلس المتقاسمون الجدد للسلطة التشريعية والتنفيذية على طاولة الكعكة المنتظرة في الدورة الخامسة من مجلس النواب الجديد. ولا بدّ من القول، بروز لاعبين جدد على المشهد السياسي. فإنّ نظرة عابرة على الأسماء الأولية المعلنة الفائزة تشير بحصول تغيير جزئيّ انتقاليّ في الوجوه، مع بقاء أو عودة بعض الوجوه القديمة للدورات السابقة. لكنّ ما يُشارُ إليه أكثر، غياب أسماء لزعامات كانت تمثّلُ الشرَّ بعينه بتسيّدها المشهد السياسيّ وسطوتها على مقدرات الدولة وتحكّمها بكلّ صغيرة وكبيرة، ما كان السبب في ضياع الزخم الوطني الغائب طيلة السنوات العجاف منذ عام السقوط وطيلة ثمانية عشر عامًا من غياب سيادة الدولة وهيبتها واهتزاز الأمن والطمأنينة والاستقرار وغياب الخدمات بكل أشكالها، المدنية منها والبلدية والتعليمية والتربوية وحتى الأخلاقية. هذا إلى جانب التسبّب بهشاشة الوضع الاقتصادي المتردّي وضعف العملة الوطنية وانحسار الحقوق المائية للبلاد بسبب تحكّم دول الجوار والمنبع واستهتارها بالحصص المائية كما تنصُّ عليه اللوائح والقوانين الدولية، حيث لم يكن للجانب العراقي تلك القوّة الوطنية والحجة التفاوضية لفرض حصصه المائية مع الجارتين تركيا وإيران بصورة أدقّ. ويبدوا أن مقولة "المجرَّب لا يُجرَّب" و "لا يُلدغُ الحرُّ من جحره أكثر من مرتين"، قد لاقت مآلهَا ونالت استحقاقَها ولو في أدنى صورها هذه المرة.

 

آمال وتوقعات

وسط الموج الهائل من كيد التهم بين الشركاء الأضداد والفرقاء الأعداء، والرفض الصارخ للنتائج الأولية المربكة لمجرى الانتخابات لاسيّما من داخل البيت الشيعي الخائب هذه المرة، برزت أصواتٌ متفائلة نسبيًا بغدٍ أفضل بعضَ الشيء بعد ملاحظة بصيصَ أملٍ في التغيير بصعود وجوهٍ جديدة وخلخلة قواعد اللعبة. فالجميع يترقب الأحداث بشيءٍ كثيرٍ من الأمل والرجاء بحصول ما كان يعتمرُ عقول وأفكار أبسط مواطن عرفَ مأساتَه طيلة فترة التغيير الدراماتيكي منذ 2003، عندما وقع ضحية فساد أحزاب السلطة والمنظومة السياسية المحاصصاتية التي كلّما تجددت دورات الاقتراع زاد معها فسادُ الساسة وتخاذلُ الحكومات بكلِّ أشكال الكذب والنفاق والخداع والإهمال والضحك على ذقون البسطاء الذين اكتشفوا اللعبة بعد أن لُدغوا من جحورهم مرارًا وتكرارًا. وفي العموم، يمكن القول إن الشعبَ قالَ كلمتَه، ولو جزئيًّا، في هذه المرّة بانتظار ما يترقبُه من تغييرٍ وتصحيحٍ في مسار العملية السياسية والنهج الحكومي. عساه لا ينخدعُ مرةً أخرى بقدوم مَن ادّعى ومازال يدّعي الإصلاح وإخراج البلاد من بوتقة الفساد وتسيّد السلاج المنفلت وتزايد تحشيد الدولة العميقة وفرض أدوات الخنوع للدخيل والغريب وطغيان صبغة الولائيين على مقدّرات البلاد على حساب الوطن والمواطن.

لقد أثبتت السنوات العجاف الثمانية عشر المنصرمة، عجزًا واضحًا في القرار الوطني وهشاشة في التخطيط وفي وضع الاستراتيجيات وتطبيق البرامج الحكومية والعمل بالقوانين السارية، حيث ثبت بما لا يقبل الشك، عدم قدرة الجهاز التنفيذي وعجز ملاكاته في تطبيق القانون وتنفيذ الالتزامات الوطنية بسبب ضعفه الواضح وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب نتيجة تفشّي المحسوبية والمنسوبية الحزبية والطائفية والعرقية والعشائرية وتخييرها على الكفاءة الوطنية. ومنها كان فقدان كفاءات وطنية اضطرّت لترك البلاد والأهل والمدينة والقرية بحثًا عن ملاجئ أمينة تقدّرُ الجدارة الإنسانية والنخبوية وتحترم الكفاءة العلمية والثقافية. وهذا ما نلاحظُه ونسمعُ به يوميًا من بروز كفاءات عراقية وارتقاء شخصيات وطنية مناصب ومراكز متقدمة في دول الاغتراب. بل كان من بين هذه الكفاءات، مَن تسلّمَ مواقع مهمة في هذه البلدان بجدارة تفوق كفاءة ابن البلد الأصلي الذي واجه ومازالَ يواجه سلطة طاردة للكفاءات وأشكال الاستثمار فرص الإبداع والعمل بسبب عدم تمكين القطاع الخاص بأخذِ دوره الطبيعي في تنمية الابلاد وتطوير الصناعة والزراعة مهما تعددت الأسباب. والسبب غياب الاهتمام الواضح بالإنسان العراقي صاحب المبادئ الوطنية لكونه شوكةً في عيون ولائيّي أحزاب السلطة التي تقف عائقًا أمام طموحاته الكبيرة بسبب أطماع هذه الأخيرة وأفعال أفرادها الفاسدة الباحثة فقط وراء الإثراء غير المشروع على حساب الوطن والشعب. وفي الواقع، كلّما أوغلَت هذه الشرذمة المتسلطة على مقادير الدولة في التبجّح بالمطالبة بقيام دولة أو مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين، تبيّنَ كذبُها وخداعُها وزادت من نفاقها ودجلها. فالدولة عبر الحكومات المتلاحقة السابقة كانت أسيرة هذه التوجهات وحبيسة أشكال هذه الأفعال الشائنة التي سطت على المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بأمثال مزوّري الشهادات، وما أكثرهم!

لعلَّ من ضمن التوقعات بأمل جديد قادم، حصول توافق واتفاق بشأن علاقة المركز بالمحافظات ولاسيّما تلك التي تسعى منها للتمتع بصفة إقليم بحكم لامركزي، كما هي حال إقليم كردستان الذي قطعَ أشواطًا متقدمة باتجاه إعلان دولة مرتقبة حين اكتمال أسسها وصفاتها ومؤسساتها بعيدًا عن هموم المركز المهادن والمجامل والمخادع والنائم في سباتٍ عميق. فبسبب هذه العلاقة المشبوهة بين الطرفين، وقع الشعب وحقوقُه الوطنية المشروعة العليا ضحية توافقات واتفاقات وتنازلات عبر الحكومات المتعاقبة التي سعتْ كلّما وقعت في ورطة تشكيلها لكسب ودِّ سياسيّي الإقليم للحصول على موافقتهم وتمرير الكابينة الوزارية أو الموازنات السنوية بحثًا عن مكاسب ومغانم وامتيازات وما سواها. هذا إلى جانب تحسين الأوضاع العامة للمواطن العراقي بكلّ أشكالها وانتشال الشرائح المسحوقة من قاع الفقر والبؤس وسوء الخدمات والإهمال والبطالة. فما طرحه زعيم التيار الصدري الحائز على أعلى نسبة من الأصوات وطمأنته للشعب بقيادة دفة البلاد والعباد وفق منظورٍ وطنيّ بعيدًا عن تدخلات الخارج من دول الجوار والعالم نصرةً للشعب والوطن، وإعلانه أن لا مكان بعد اليوم للفساد والفاسدين وبضرورة حصر السلاح بيد الدولة، تبدو هذه الأفكار جميعًا وغيرها ممّا خفي للناظر والمترقب، صفحة جديدة مختلفة عن برنامج حكومي مرتقب ينوي تحقيقه و"فرضَه" بما يتيسرُ له محليًا من موقع شعبي وأتباع عقائديين مستعدّين لفعل ما يقولُه ويأمرُه ويفرضُه عليهم، زعيمًا عقائديًا حدّيًا لا يقبل الوسطية التي تخرج عن طوعه وعن إطار الانتماء للوطن والشعب قبل ايّ مسمّى آخر.

معوّقات وعراقيل وشكوك

الساحة السياسية في عمومها، ليس في العراق فحسب بل في معظم بلدان المنطقة والعالم التي تعيش ديمقراطيات فتية غير ناضجة، من الطبيعي حصول إحباطات سياسية وتحديات شخصية وقيام صراعات شرعية وغير شرعية لا تخلو من توجيه تهم وعمل مكايد وأشكال التسقيط والتشهير بل وأحيانًا التهديد العلني والضمني بسبب نتائج الانتخابات. وقد بدأت أشكال هذه البوادر في البروز منذ يوم إعلان النتائج غير النهائية والأيام التالية. ومازال التوتر قائمًا وفي زيادة مفرطة من جهات ولائية ترفض النتائج المعلنة وعدّها مفبركة. والأخطر من هذا وذاك، يكمن في حالة تدخل القضاء أو جهات خارجية في أية مساعٍ لتغيير اللعبة وقلب الطاولة بحجة الحفاظ على الشفافية والرضوخ لتوجيهاتٍ من خارج الحدود، تمامًا كما كان يحصل في سابقات الدورات في ترتيب المقاعد وفق مقاسات الأحزاب المتنفذة ومَن يقف وراءها.

لذا من الطبيعي ألاّ تجري الأمور بسهولة. كما لن تكون الأرضية مفروشة بالورود والرياحين أمام الجهة التي تترقب تصدّرَ المشهد السياسي أكثر من غيرها بفضل ما اكتسبته من اصوات ومقاعد تعتقد بقدرتها على تقديم الحلول لكلّ المعوّقات والعراقيل المتوقعة، وهذه لن تكون قليلة البتة. وما على المفوضية إلاّ الردّ على الطعون والشكاوى وحلّ الإشكاليات المتوقعة في مسألة تغيير مسار النتائج النهائية وفق القانون وليس غيره بالقبول بالضغوط من اية جهة كانت. فعدم الإعلان عن النتائج النهائية بحسب الوعد بعد ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع وتأخيره ساعات بل أكثر من نهارٍ لأية اسبابٍ كانت، فنّية أم غيرها، يضع مصداقيتها على المحك. بل بدأت الهواجس بالبروز، فيما دبّت شكوك حول صحة الإجراءات وتأخير الإعلان لفسح المجال أمام طعونٍ أكثر خلال المدة الممنوحة.

هنا لا بدّ من الإشارة، إلى أنه بالرغم من الترحيب الدولي بما جرى يوم 10 تشرين وبالرغم من نسبة المشاركة الضعيفة لليوم المفصليّ المنشود، إلاّ أنّ جهات رقابية دولية ومحلية لم تخفي هواجسها ممّا شابَ هذه الانتخابات من عراقيل ومخالفات وخروقات انتخابية، سواءً من قبل أحزاب السلطة أو المرشحين أو المراقبين المنتدبين عن هؤلاء قبل أو يوم العرس الكبير أو ما بعدها. ففي النهاية، كلّ هذه الأمور لا تهمّ المنظمة الدولية التي راقبت المشهد عن بعد أو قرب، ولم يكن لها عينُ الإشراف الحقيقي على العملية الانتخابية برمتها، كون هذه الأخيرة "وطنية" وتخصّ الشعب والأحزاب المتحكمة بمصير هذا الأخير. وبالتالي، لا يهمّها مَن سيعتلي المشهد السياسي أو مَن سيكون على رأس السلطة التنفيذية، طالما أنّ مصالحَها مضمونة لدى هؤلاء أو لدى غيرهم، سواءً بسواء! ومن ثمّ، لا معنى لما صرّحت به ممثلة الأمم المتحدة في العراق بوصفها المجاملِ والمداهنِ للمشاركة الانتخابية الشعبية "الواسعة" التي تضمن انتخابات نزيهة. بينما لم تشر العديد من المنظمات التي راقبت عملية الاقتراع إلى الأسباب والحيثيات الحقيقية التي جاءت ردّا على عزوف الكثير من المواطنين عن المشاركة الواسعة الحقيقية في العملية، إلاّ ما ندر. فانعدام الثقة بالمنظومة السياسية باسرها والتعاطي الاستعلائي لما شهدته ساحات تشرين منذ انطلاقتها في عام 2019 والاستهتار بسواقي الدم التي سالت من صدور وأجساد المنتفضين ضدّ الطبقة السياسية الفاسدة، كلّها دلالات على فقدان هذه المصداقية بالعملية السياسية وبمن تولوا المشهد السياسي منذ 2003 وبحثهم عن مصالح خاصة ومكاسب ومغانم من الكعكة، على حدّ تعبير العديد من النواب الذين أثروا بصورة فاحشة من منظومة العملية السياسية الفاشلة. ويكفي تصريح أحد النواب السنّة الذي تولى رئاسة البرلمان في دورة لم يكمل معها رئاستَه، قوله: "لا يهمّنا مَن يتسلّقُ الرئاسة ولا مسؤولية إدارة الدولة، طالما يؤمّنون لنا حصتنا (كّياتنا).

صراع على الرئاسات

لعلَّ من ضمن الصراع المتوقع على المواقع الرئاسية التي أصبحت تقليدًا طائفيًا غيرَ مرحَبٍ به بين المكوّنات الرئيسية في البلاد، سعيُ جهات مغمورة باختراق العرف المتبع منذ تشكيل أول كابينة لرئاسة مجلس الوزراء. وهذا ما لوحظ بوضوح قبل فترةٍ من إنجاز العملية الانتخابية عبر زيارات مكوكية وعمليات تفاوضية بين زعامات الكتل الكبيرة. وبالرغم من كون المنصب خدمة وتكليفًا وليس امتيازًا وتشريفًا، إلاّ أن العديد من الساسة المتنورين وجماهير النخب لا يرون في هذا العرف استحقاقًا مقدسًا مدى الحياة. فالكفاءة والجدارة في تبوّء المواقع الأولى ينبغي أن تكون لها الأولوية وليس انسياقًا وراء فوزٍ حزبيّ أو عشائريّ أو طائفيّ أو عرقي دون سواه. وإنّ أيَّ تأخيرٍ في حسم هذا الشأن سيزيد من تعقيد المشهد السياسي. فالعراقيون ومصالح الوطن العليا لن تتحمل عبئًا إضافيًا وهزّات جديدة تزيد من المعاناة أكثر ما هي عليه فيما متوقع من الصراع المرتقب بين الجهات الفائزة المغمورة والخاسرة المتضررة.

قد تكون الأيام القادمة حبلى بكلّ توقعات، سيئة كانت لا قدّرَ الله، أم مُسِرّة بعونه تعالى. لكنْ في العموم، هذه فرصة العراقيين المتاحة ولو في أدنى درجات بداياتها للتخلّص من أدران وخطايا ساسة المفاجأة كما حلا للبعض وصفهم. وعليهم ألاّ يضيّعوا فرصة النجاة هذه المرّة بالرغم ممّا شابَ العملية الانتخابية من مساوئ، سواءً بعدم المشاركة الواسعة التي ترقبها الجميع، أم بسبب عدم صعود أسماء تكنوقراط ومهنيين مشهود لهم بالكفاءة والوطنية والمهنية، أو بسبب تسيّد أحزاب السلطة للمشهد السياسي مع الاختلاف الجزئي بتقديم وجوه جديدة أو ناعمة تابعة لها وبعناوين لأفراد مستقلين وأحزاب حديثة تبدو للناظر ذات استقلالية، لكنها في واقع الحال كانت مناورة شيطانية لإبقاء السطوة على الحكم. فليس من المعقول البقاء في جهالة عدم قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه والانتقال من "حالة المأساة إلى حالة المهزلة" على حدّ قول الفيلسوف كارل ماركس.

الرابحون والخاسرون

باختصار، أحد الرابحين الكبار في الدورة الخامسة من الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق، هي الجهة التي ستتولى السلطة التنفيذية وتفرض أجندتها، الحزبية والعقائدية وتفرض سطوتها على مؤسسات الدولة من منطلق الأحقية بالسلطة قبل غيرها متفاخرة بإرثها الجهادي والنضالي مثل سابقاتها. وهذا أتعس الخيارات المتكررة من جانب مَن تولوا سابقًا زعامات البلاد وفق نظرتهم الناقصة للأحداث وقصر رؤيتهم في بناء دولة مواطنية قوية يحظى فيها الانتماء للوطن بمقام القدسية وليس في تقديس الإرث والأشخاص وأشكال النضال والجهاد عبر المتاجرة بالدين والمذهب والطائفة وبأرواح ودماء الشهداء الذين راح معظمُهم ضحية الدجل والغطاء بالدين والمعتقد والطائفة. إلاّ أللّهمَ إذا صدقت الحكومة القادمة في قولها ووعدها وتطبيق برنامجها "الوطني" لتكون رفاهة الشعب وأمنُه وسلامتُه ومعه تنمية الوطن واستقرارُه الاقتصادي والاجتماعي من أولوياتها بتحقيق مبادئ العدالة والمساواة والكفاءة من دون تمييز أو تحيّز أو ميلٍ للعرق والمذهب والطائفة.

أما ثاني الرابحين من الانتخابات التشرينية، فهُمْ آلاف العراقيين من البسطاء والباحثين عن لقمة عيش إضافية تلقوها من جمع مخلّفات اليافطات والدعايات الانتخابية بالاستفادة من كوم القطع الحديدية والخشبية التي جمعوها من الشوارع والجزرات الوسطية والجدران التي ملأت هذه المواقع وتزيّنت لأيام واسابيع بصور جميلة لمشرحين ومرشحات. وفي هذا المشهد التقليدي الغريب يكونون قد ساهموا ايضًا من حيث لا يدرون مع أجهزة أمانة بغداد والبلديات في مختلف المحافظات بحملة تنظيف شعبية لإزالة المخلفات طوعًا وبطرق بدائية مضحكة أحيانًا ومبكية في غيرها. فهذا كلّ ما يحصلون عليه من تركة نواب الصدفة. فهُمْ مثل غيرهم لم ولن يعوّلوا على وعود عرقوبية مثل ما حصل في الدورات السابقة. فهذا مكسبُهم الوحيد والأفضل في زمن الزنق والفاقة والحاجة.

فيما الخاسرون فيها، أشخاصًا وأحزابًا، ما عليهم سوى عضّ الأصابع ومراجعة النفس. فلن يفيدهم الندم، لاسيّما في حالة إقرارهم بكونهم من شلّة الفاسدين الذين لفظهم الشعب بعد إدراك الأخير كذبَهم وخيانتَهم للأمانة الوطنية وللناخب اللذين أوليانهم الثقة. هكذا هي رقصة الغجرية، متعة الراقص ولوعة المتفرّج والوعد بيومٍ قادمٍ أفضل! وبالتالي، فهذه هي معايير الديمقراطية، شئنا أم أبينا.

باختصار، هذه فرصة أخرى لتعديل المسار السياسي وفق منهج وطني يأخذ في الاعتبار حاجة المواطن وحق الوطن بالاستجابة الفعلية للحراك الشعبي الذي قاد التغيير قبل سنتين وفق معطيات جديدة لا تقبل المساومة في هذين العنصرين الأساسييّن. والمساران يستوجبان حقائق جديدة في المنهج والسلوك والإدارة والإرادة معًا. ومن دون هذه الأساسيات في السياسة لا يمكن للوطن أن يتقدم ويتطور. كما سيكون عسيرًا على اقتصاد البلاد أن يتطور ومعه تطور عجلة الزراعة والصناعة والعلوم والتربية والأخلاق والاجتماع وكلّ ما يساهم في بناء الوطن والمواطن بإشراك جميع المكوّنات وفسح المجال الحقيقي للقطاع الخاص للإبداع والتطوّر.

 

 











أربيل عنكاوا

  • هانف الموقع: 009647511044194
  • لارسال مقالاتكم و ارائكم: article@ishtartv.com
  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    info@ishtartv.com
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    article@ishtartv.com
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2021
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6806 ثانية