
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
مدينة أثرية تقع على تلٍّ يدعى اليوم تل أبو شهرين، وتبعد مسافة حوالي 12 كم إلى الجنوب الغربي من مدينة أور وتعني الكلمة في اللغة السومرية المكان الضخم، وتقع جنوبيَّ بيث نهرين، في محافظة ذي قار حالياً، وهي في أقصى الجنوب من تجمع المدن السومرية، والتي نمت وتوسعت حول المعابد.
بنيت هذه المدينة التي عرفت تاريخياً باسم “جنة عدن”، من الطوب اللبن، ومع نمو المعابد ونمو القرية إلى الخارج توسع بناء المدينة وامتد، وبحسب علماء الآثار، كانت “إريدو” من أوائل المدن السومرية، ويرجع تاريخ بنائها إلى خمسة آلاف سنةٍ قبل الميلاد، ووجدت قبل الطوفان الأكبر.
فكانت عند السومريين بمنزلة مركز عبادةٍ للإله إنكي، والذي عُرف فيما بعد لدى البابليين باسم إيا Ea، المعروف بإله الماء. وبحسب الأساطير السومرية، فقد كانت مملكة الإله إنكي هي المياه التي تحيط بيابسة الكون، وكان يُعتقد أنه أسس المدينة.
وحسبما ذكرت الأساطير البابلية، فإن الإله مردوخ هو الذي بنى مدينة إريدو، كما يعتقد بعض المتخصصين في علم الآثار، أن إريدو كانت في موقع برج بابل الشهير، وليست مدينة بابل وذلك لسببين:
الأول أن الزقورات “معابد هرمية شاهقة الارتفاع، اشتهرت بها حضارات بيث نهرين القديمة” في إريدو، كانت أكبر حجماً بكثيرٍ من الزقورات في المناطق الأخرى من بيث نهرين، وتطابق هذه الزقورات الضخمة وصف برج بابل الذي لم يكتملْ حسب العهد القديم من الكتاب المقدس، ومن أشهر هذه الزقورات، زقورة أور قرب مدينة الناصرية التي تقع على بعد 342 كيلومتراً جنوبي بغداد، وزقورة عقرقوف قرب بغداد.
والسبب الثاني أن معنى تسمية إريدو باللغة السومرية تعني المكان الضخم.
وقد أدرجت هذه المدينة، على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو مع مدينتي أوروك، وأور كموقع تراث عالمي مختلط (طبيعي – ثقافي)، وذلك عام 2016 خلال اجتماع لجنة التراث العالمي الأربعين في إسطنبول.
جرى التنقيب عن مدينة إريدو أربعَ مرات، حيث نُقّبَ فيه لأول مرة من قبل جون جورج تايلور في عام 1855، ثم من قبل ر. كامبل ثمبسون، عام 1918، ثم إتش. آر. هول، في 1919، بعدها بدأت أعمال التنقيب، بإشراف فؤاد صَفَر، وسِتون لويد، المديرية العامة للآثار والتراث العراقية، بين عامي 1946 و1949.
وقد تمَّ الكشف عن سور شبه مربع للمدينة بني بالحجر، وهو مشهد نادر في جنوب الرافدين الذي استخدم الطين في تشييد بنائه، وتبلغ أبعاد السور 400×300م عن رأس التل. أما الِزقُّورة التي أزيح الردم عنها، فقد شيدت في عهد الملك أورنامو في عصر أسرة أور الثالثة في أواخر الألف الثالث ق.م وهي تهيمن على الموقع وعلى معبد إِنكي.
وبحسب منقب الآثار، عامر عبد الرزاق فإن مدينة إريدو تضمنت عنصر التخطيط العمراني المتحضر، وكانت مقرا لعبادة إلهة الماء، وواحدة من المدن الزراعية، ويضاف إلى ذلك أنها مدينة استشفاء لكثرة المختصين فيها بمجال الطب والجراحة.
وأوضحت الاكتشافات التاريخية أن قصر إريدو هو الأكثر غرابة، إذ يتكون من جناحين متشابهين تماماً في كل التفاصيل، كما وجد في إريدو العشرات من الآجر المختوم باسم الملك أورنامو.
كما تمكن العلماء من الكشف عن 14 طبقة من المعابد، شيّد أحدها فوق أنقاض الآخر، على امتداد ألفي عام بين بداية الألف السادس وأواخر الألف الرابع ق.م. وتمثل هذه الآثار شواهد على بقايا مرحلة من الحضارة الرافدينة، وتوازي إِريدو الطبقتان الثانية عشرة والرابعة عشرة. وكشف النقاب عن آثار قصر من عصر الأسرات الباكر العتيق، يعود إِلى أواسط الألف الثالث ق.م ويبدو أن موقع إِريدو تُرِك في الألف الثاني ق.م.
أما وفي بعض نسخ قائمة الملوك السومريين، تعد “إريدو” أول خمس مدنٍ جرى فيها استلام الملكية قبل حدوث الفيضان على الأرض “طوفان نوح”. وتذكر “قائمة الملوك السومريين” اثنين من ملوك “إريدو”، وهما علوليم الذي حكم لمدة 28,800 عام، وعلالنجار الذي حكم لمدة 36,000 عام. وقد صُوّر أدابا Adapa وهو رجل من إريدو كبطلٍ ثقافيٍّ مبكرٍ، فقد كان يعتبر أنه جلب الحضارة إلى المدينة في عهد الملك علوليم.
وبحسب شامل رميض، مدير مفتشية آثار ذي قار، فإن إريدو “مدينة دينية علمية بامتياز جذبت علماء وكهنة، إضافة إلى أنها تضم مساحات زراعية كبيرة، لذا تصنف أيضاً بأنها مدينة اقتصادية”
تعرض موقع إريدو، كبقية المواقع الأثرية، لعمليات نبش عشوائي خلال الفترة التي امتدت من عام 2003 حتى 2006، خاصة من قبل البدو الرحل الذين بحثوا عن الأحجار الكريمة، ومن قبل تجار الآثار، لذلك خصص حارس أمني، وبني سياج لحماية هذا الموقع التاريخي.
فبقي موقع إريدو شاهداً حياً، لتراث بيث نهرين، التي ما زالت متميزة بآثارها، ومواقعها التي تعود لآلاف السنين.