جداريّتان تاريخيّتان في العراق تنفضان عنهما غبار التخريب «الداعشيّ»      محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تنظر في قضايا طرد وتضييق بحق مسيحيين في تركيا      نداءات دولية عاجلة لترسيخ الوجود المسيحي في الشرق الأوسط      من لينشوبينغ السويدية.. المرصد الآشوري وأورهاي يستحضران إرث نعوم فائق: مئة عام من الفكر الوحدوي في مواجهة شتات الحاضر      تفجير كنيسة مار إلياس.. رواية رسمية مفصّلة وأسئلة لا تُغلق بالاعترافات      ماذا نعرف عن أقدم الخطوط السريانيّة وأجملها؟      احتفال أحد البنات في كاتدرائية مار يوخنا المعمدان البطريركية      غبطة البطريرك يونان يحتفل بقداس أحد الموتى المؤمنين      اجتماع الآباء الكهنة مع شباب كنائس بعشيقة وبحزاني وميركي في اللقاء الأول في مجمع مار كوركيس الثقافي التعليمي في بعشيقة      المنظمة الاثورية الديمقراطية تحيي ذكرى نعوم فائق في غوتنبرغ      أول دعم عسكري لخطة ترامب.. إندونيسيا تستعد لإرسال آلاف الجنود إلى غزة      تركيا تلمح للانضمام إلى "سباق التسلح النووي"      4.583 من عناصر تنظيم داعش نُقلوا من سوريا إلى العراق      بانتظار التمويل.. مالية كوردستان تعلن استكمال إجراءات رواتب كانون الثاني      ترتيب أفضل هدافي الدوري الإنجليزي      8 مفاتيح نفسية لتهدئة العقل المُرهَق بالتفكير      "ميتا" و"يوتيوب" أمام القضاء بسبب "إدمان الأطفال"       ألقوش عتقتا.. حينما يتنفس الحجر بفن "داني اسمرو"      البابا لاوُن الرابع عشر يوجه رسالة إلى كهنة مدريد لمناسبة جمعية لكهنة الأبرشية      تحصينات أمنية واستخباراتية غير مسبوقة حول مراكز احتجاز معتقلي "داعش" في العراق
| مشاهدات : 1434 | مشاركات: 0 | 2019-07-08 10:01:29 |

التلوّث والفساد

المطران د. يوسف توما

 

 

يبدو لي أن هناك علاقة قوية بين التلوّث والفساد وكلاهما ينخر في جسم الدول والمؤسسات ليس في بلادنا فحسب ولكن في العالم أجمع، بنسب متفاوتة كما سنرى في هذه الأسطر.

إن أروع ما تتميز به الطبيعة هو الخصوبة والحرية، فحياة كل كائن حي هي مشاركة في سمفونية كبرى وشاملة، وتشبيهها بالسمفونية ليس جزافا، لأن التناغم هو ما يميّز الطبيعة كما في الموسيقى، يتم بين أعضائها بتضامن وتضمين في تواصل هرموني داخلي واتصال خارجي وتفاعل لكل كائن حي. الهرمونات نشطة تتزامن وتتكافل مع احتياجات متفاعلة مع كل كائن حي آخر. كل هذا يجعل من كوكب الأرض قطعة واحدة مدهشة، أسموها “غايا” (Gaia)، أي الأرض الأولى الحيّة والنشطة التي عمرها 4 مليار سنة، ثم انقسمت فيما بعد وصارت قارات تفترش المحيطات. منذ البداية مرّت (غايا) بمراحل نشطة مع الرياح التي أعطتها الطاقة والنشوة وقابلية الاتصال. إن للرياح دورا هائلا في منح الطاقة للكل بشكل مستمر، إنها الروح- الريح الذي يهبّ حيث يشاء (يو 3/8)، فالريح دخلت حتى الأعماق لتجعلنا نتنفس فيتحوّل كل نفَس إلى مصدر إلهام وتعبير حتى يتم التواصل لدى الجميع، يفهمه الإنسان عندما يربط بين النَفَس والريح والروح، ليصل في نهاية المطاف إلى الروح القدس، روح الله. لقد بيّنت اكتشافات أعماق الأرض والبحار والصخور هذه القصة الفريدة بتكوّن أرضنا وهي أشبه برقصة الفتاة الأولى “غايا” التي استقبلت أشعة الشمس بين مدار السرطان ومدار برج الجدي، عندما تغيّرت زاوية أشعة الشمس بما يكفي لتخلق الفصول وما نشهده من آثار في طبقات الطين المتحجّر، بيّنَ لنا التنوّع الرائع بأشكال الحياة البدائية التي نمت ببطء وصبر، قيل إن بعضها كان ينمو مليمترا واحدا بالسنة فقط، مع ذلك يمكن أن نعرف الآن هذا اللحن كما في نشوة طرب وموسيقى. كل حيّ مدعوّ أن يشعر بالحاجة إلى البقية، وحاجة البقية إليه، إنه مهمّ ومحبوب وعليه أن يحبّ وإلا مات.

منذ أن ساد الإنسان العاقل (homo sapiens) قبل حوالي 200 ألف سنة على الأرض بدأ الفساد واختل التوازن إذ صار يصيب بالضرر بقية الأحياء وقد امتد ليمسّ بالصميم هذا الانسجام ويجرحه. منذ عصور ظهرت تيارات الانغلاق على النفس، من مذاهب وقوميات وأفكار، فلم يعد أحد يفتح عينيه على ما حوله، ولا يفهم اللغة الشاملة الكلية الأولى، وهذا سبّب اضطرابا في الاتصال مع الشمولي والكلي. هو انقطع وهي ابتعدت عنه ففقد ذلك التدفق بالذكاء العاطفي المنبثق من الأم الأرض (غايا)، وهذا ما قاله الهندي الأحمر الأباتشي جيرونيمو (1829 – 1909) عندما قبض عليه الجيش الأمريكي: “أنتم تعاملون الأرض كأنها زوجة الأب أما نحن فهي أمّنا”. وجاء التصنيع ومعه التلوّث غير المحدود ليخلق فسادا لا ينتهي بل توسّع على الأرض كلها. وعندما قام في القرن 19 تشارلز داروين وروّج لنظرياته تلميذه رتشارد دوكينز Dawkins، عن الطبيعة العدائية الأساسية للكائنات الحية، أفرط الأتباع بتلك النظريات وقراؤها أنها تنافر وفساد وتحوّلت إلى مبادئ فقيل “البقاء للأقوى”! التي كانت مبادئ كل الغزاة الذين سادوا ثم بادوا، لكن “من يأخذ بالسيف، بالسيف يهلك” (متى 26/52)، مبدأ سيجعلهم يزولون وينقرضون. إذ بعد حربين عالميتين وحروب باردة وحارة أخرى فهموا وصحّحوه قالوا: “البقاء للأكثر مرونة”، فإن انقرضت الدينوصورات القوية والضخمة لكن الانقراض لم يأتِ على بقية الأحياء الضعيفة والصغيرة بل بالعكس أعدّ لظهور الأضعف بينها: الانسان! إلا أن هذا – بالرغم من ضعفه المفزع – صار كالدينوصور عندما اكتشف أن قوّته تكمن في تضامنه كجماعة وتعاونها، صار يحبّ السيادة والسيطرة والقمع، ولم يفهم أن قطع الصلة ببقية الأحياء يسبّب دماره، لذا وبلا فطنة، صار يدمّر الطبيعة ويسمي ذلك اقتصادًا، يدمّر الآخرين بالغزو والحروب، وهو لا يدري أن كل من يتلف الحياة يحفر قبرا لنفسه.

لو نظرنا من فوق إلى أرضنا وقارنّاها بما كانت قبل مئات السنين لرأينا التصحّر يتقدم بخطوات مرعبة، ولو أخذنا عيّنة من الهواء المحبوس في فقاعات العنبر أو الماء تحت طبقات الجليد القديمة لرأينا نظافتهما ونقاءهما مقارنة بما نتنفس ونشرب اليوم، حين لم يكن هناك تلوّث مستمر وتسمّم للأرض والماء والهواء، عندما لم تُقتَل كل تربة وأرض ولم تمتلئ بأشكال النفايات الخرسانية أو الصناعية، سنفهم إذ ذاك أن الفساد بيننا ليس سوى انعكاس وجزء من عملية قتل الطبيعة ونسينا أن الأهم في حياتنا ليس النجاح الاقتصادي وإنما التمتع بدهشة بتلك الموسيقى الكونية، موسيقى الحياة!

حان الوقت اليوم إلى بناء فهم عميق لما يجري على مستوى شامل وعلى الضرر الذي أصاب النظام البيئي، وإنهاء قُصر النظر في الحسابات الضيقة التي تتمحور حول الأنانية الفردية والجماعية بالتجارة والمصالح والمحاصصة والمنافسة. يجب أن نُدخل في حساباتنا تأثير ما نفعله على الآخرين من بيئة، محيط حيوي، غلاف جوي، حتى طبقة الأوزون… علينا الاعتماد على الواعين في المجتمع والمنظمات المعنية التي لا تصغي إليها الدول والحكومات والأحزاب. يا ليت لو قامت في كل مكان “محاسبة شاملة” على مستوى الأرض، بمثابة “ضمير كوني”، فنصحّح ما أسيء فهمه، أو تمّ تجاهله حتى الآن، قبل فوات الأوان…

 كركوك 7/7/2019

 










أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.4737 ثانية