

هذا العشّار الذي دعاه المسيح ليكون رسولاً، جالساً إلى مائدة الجباية. والعشّار هو الموظف الذي يجبي الضرائب لخزينة الدولة. فكان يشتري المهنة ثم يأخذ الربح الشخصي
من المواطنين، وهذا الربح هو ما يريد أن يفرضه على الفقراء والناس. فهو يستغني ولكن ليس بطرقٍ شرعية، لهذا يُعتبر من المغضوبين عليهم ومصنَّفين من كبار الخطأة الذين ينبغي تجنّبهم. ولهذا يسمّيانه أحياناً لوقا ومرقس "لاوي" وليس "عشّار" احتراماً لسمعته. فَمَن يخالطهم يتدنّس، فقد قيل:"لِماذا يَأكُلُ مُعَلِّمُكم مَعَ الجُباةِ والخاطِئين؟" (متى11:9) "لماذا يأكل معهم؟" فالسؤال هو "لماذا؟" دائماً.
وإننا نعلم جيداً أن الخطيئة مرض ولا سيّما الخطيئة المزمنة. والطبيب هو مَن يعمل، ليس لشهرته أو لمنفعته، بل لخدمة المريض من أجل أن يمنحه الشفاء بعلاجه. هكذا هو المسيح، فقد أتى "لِيَخدُمَ لا لِيُخدَم ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس" (متى28:20) لأنه أتى "لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم." (يو10:10).
فالحياة هي العلاج، والعلاج من أجله يناظل الطبيب الإنسان. نعم، إنه طبيب الجسد. وكلنا نعلم أن المسيح هو طبيب الروح، فهو يمنح الحياة ويعمل من أجلها، فإنه هو "الحياة" (يو25:11) بإعطائه جسده ودمه إذ قال:"مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يو54:6). لهذا يقولون آباء الكنيسة: أن المسيح هو الدواء الذي يمنح الخلود بأكل جسده وشرب دمه. وهذا هو الجديد في المسيحية، أن المسيح أحبّنا أكثر من البشر. فسابقاً كانت الشريعة تتقدم الإنسان، واليوم المسيحية وحياة المسيحي هي قاعدة عملية وأساسية، وهي مقياس كل تحركاته ونشاطاته.
فالله في نظر الفرّيسي إلهٌ قاسٍ يطلب الطاعة لشريعته، بينما الله في نظر المسيحي إلهٌ حنون رحوم "يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار" (متى45:5).
لذلك، إن كان الله رحمة وحنان ومحبة، فعلى المسيحي أن يكون كذلك أيضاً. فإذا غابا الرحمة والحنان، فكل الشعائر لن ترضي الله. وكم من أناس غير مرتاحين في علاقاتهم مع الله. فالعلاقة مع الله الذي لا نراه، لا تستقيم إذا فسدت مع القريب الذي نراه. فملكوت الله مَنزِلٌ يُبنى من الآن في هذه الدنيا، وحجارته هي أولاً الرحمة والحنان والمحبة.
فالمسيح يذهب إلى أبعد من حَمْلِ الخاطئ على العودة إلى ممارسة الشريعة، فهو يعمل على أنه صديق أمين ورحوم وحنون، لأن الخطيئة الحقيقية هي في أن يكتفي الإنسان ببعض الممارسات والصلوات، ويهمل ما هو أهم من ذلك كالإيمان والرحمة مثل الفرّيسيين. وهذا يعني أن يشعر الخاطئ بالمسيح، ويندفع في طريق الرحمة والحنان، لأن القداسة هي أن نشهد لقداسة الله، لا مثل الفرّيسيين بل بالتفهّم والرحمة والتقرّب من الخطأة.
فلا تتردّد عند سماعك الربّ يدعوك، والويل لنا إن تهرّبنا من نداء المسيح... إنه يدعوك (مر49:10).