
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
تركيا ─ دونت الحضارة الآشورية تاريخها على الألواح الطينية، فعلى سبيل المثال، كان التجّار الآشوريون القدماء يكتبون تفاصيلهم التجارية والاقتصادية على تلك الألواح، لكن حملت هذه الألواح تفاصيل أكثر قتامة، وهي دية الدم. إذ عُرِفَ دفعُ الدية كجزء من واقع الحياة في الثقافة الآشورية القديمة، فهذا يظهر في لوحتين طينيتين قدمتا وصفًا حيًّا لهذه الممارسة قبل نحو 4000 عام.
ففي دراسة نُشرت في مجلة Adalya، تناول باحثان من جامعتي أنقرة وغازي عنتاب في تركيا تحليل لوحتين مسماريتين لم تُقرأ سابقًا، تعودان إلى الفترة ما بين 1950 و1750 قبل الميلاد. وتُبرز هاتان اللوحتان سجلات الأعمال والرسائل الشخصية للتجّار الآشوريين خلال فترة المستعمرات الآشورية.
فقد ظهرت دية الدم ضمن الرسائل والنصوص المعاهداتية والقانونية وعقود الديون باسم “داموم”، وكانت تتضمن محاكمة قضية القتل، وإصدار الحكم، ثم تحويل التعويض إلى عائلة الضحية أو الوصي القانوني عليها.
ونظرًا لعدم وصول أي نص قانوني من العصر الآشوري القديم، فمن غير الممكن الجزم بما إذا كانت دية الدم مُدرجة ضمن مواد القوانين، لذا فإن المصدر الأساسي لها يتمثل في الألواح المسمارية المكتشفة في كولتبه (كانيش) المركز التجاري الأهم في مستعمرات آشور وسكان الأناضول وشمال سوريا، وتُظهر هذه النصوص أنه خلال فترة المستعمرات الآشورية القديمة، كان هناك اختلافات في معالجة القضايا القانونية، تبعًا لهوية الأطراف المتنازعة، سواء كانوا آشوريين أم أناضوليين.
ففي الحالات التي يكون فيها الطرفان آشوريين، كانت القضايا تُنظر غالبًا أمام محاكم آشورية وسلطات محلية آشورية، فيما إذا كان أحد الأطراف من السكان الأناضوليين، فتشارك في هذه الحالة السلطات المحلية الأناضولية في سير الدعوى، وتلعب دورًا في إدارة العدالة.
وبذلك تُظهر الوثائق التي ورد فيها مصطلح “داموم” أن تسوية قضايا دية الدم كانت تتم أحيانًا من قبل السلطات الآشورية فقط، وفي أحيان أخرى بمشاركة مشتركة بين السلطات الآشورية والملوك الأناضوليين، وتُعد نصوص المعاهدات بين الآشوريين والممالك الأناضولية من أبرز المصادر التي تناولت موضوع دية الدم، حيث ورد المصطلح بصيغ مختلفة في ألواح مسمارية تعهّد خلالها الملوك المحليون في الأناضول بمنح الآشوريين حق الإقامة والحماية داخل المراكز التجارية، كما ضمنوا تعويضهم عن الخسائر الناتجة عن السلب والنهب في أراضيهم.
كما نصّت هذه المعاهدات على أنه في حال مقتل آشوري داخل أراضي إحدى الممالك، يتوجب على الملك تسليم الجاني للآشوريين ليتم إعدامه، إضافة إلى دفع دية الدم.
ففي معاهدة بين كانيش وآشور، ورد أنه إذا قُتل آشوري داخل أراضي السلطة المحلية، فعليها دفع مبلغ محدد كدية وتسليم القاتل، مع التأكيد على عدم استبداله بشخص آخر، وتكررت بنود مشابهة في معاهدات أخرى، مثل المعاهدة بين حاحوم وآشور، التي أكدت أيضًا على تعويض الخسائر وتسليم القتلة.
ومن اللافت أن بعض النصوص لم تذكر دفع الدية صراحة، لكنها شددت على تسليم القاتل، ما يدل على اختلاف في تطبيق الإجراءات.
رغم أن مبدأ دية الدم يقوم على تعويض ذوي الضحية، فإن نصوص المعاهدات تُظهر وجود نهج مزدوج في تحقيق العدالة، يجمع بين التعويض المالي والعقوبة الجنائية، إذ كان يتم في بعض الحالات دفع الدية وتنفيذ حكم الإعدام بحق القاتل في الوقت نفسه.
ففي وثيقتين تتعلقان بدية إنّامايا، ابن آشور- رابي، تُظهر إحدى الرسائل أن مجلس المدينة حسم القضية، وأن حفيد الضحية، آشور- رابي، سيرسل محاميًا إلى كانيش، ليتم لاحقًا دفع الدية إلى ابنه سورين-تايا. وتؤكد وثيقة أخرى تنفيذ هذا القرار، حيث أحضر سورين-تايا قرار المجلس إلى كانيش، وتمكّن، بالاتفاق مع إنّام-آشور، من تحصيل دية جده بحضور شهود.
ويُرجّح أن إنّام-آشور، الذي أبرم معه الاتفاق، كان آشوريًا، وربما هو القاتل نفسه أو أحد أقربائه، ولم تذكر الوثيقة قيمة الدية المدفوعة، وما إذا كانت هناك عقوبة أخرى غير التعويض المالي.
بينما تشير وثيقة أخرى من أرشيف بوزوتايا إلى دية تتعلق بمقتل ابن آشور-نادا، وقد نصت الوثيقة على أن بوزوتايا سيؤدي قسمًا بأنه لم يستلم الدية، وأن بقية أبناء الضحية لن يعترضوا عليه لاحقًا.
كما تُظهر بعض النصوص كيفية سير الإجراءات في قضايا دية الدم، فهناك رسالة طلب فيها أحد المسؤولين جمع شهادات الشهود حول وفاة طفل أثناء شجار، ووثقت رسميًا، تمهيدًا لرفع دعوى للمطالبة بالدية.
وفي حالة أخرى، ذكر نص أن أحد التجار قتل خدمه وسُرق نحاسه في إحدى المدن، وهو انتظر تدخل الملك المحلي لدفع الدية وإعادة الممتلكات.
وفي سياق آخر، تُظهر بعض نصوص المعاهدات التزامات واضحة بين الآشوريين والأناضوليين، عند مقتل الآشوريين على يد الأناضول، إلا أنها لا توضح الإجراءات في حال مقتل أناضولي على يد آشوري. ومع ذلك، تشير بعض الوثائق إلى تدخل مشترك بين الملك الأناضولي ومجلس آشور في مثل هذه الحالات، حيث كان يُطلب من التجار الآشوريين دفع التعويض للسلطات المحلية.
كما توحي بعض النصوص بأن السلطات المحلية كانت قادرة على إلزام الآشوريين بدفع الدية عند قتلهم لسكان أناضوليين، ما يشير إلى وجود التزامات متبادلة بين الطرفين، رغم احتمال تعطّلها في حالات الاضطرابات أو التمرد.
لكن عندما يكون طرفا النزاع آشوريين، كانت القضايا تُحل غالبًا داخل المراكز التجارية (الكاروم)، مع وجود أدلة على أن هذه المؤسسات كانت تتدخل أحيانًا لضمان تحصيل الدية، بل وقد تصادر ممتلكات المدينين كوسيلة للضغط.
وتُظهر إحدى الوثائق أن مركزًا تجاريًا صادر منسوجات وقصديرًا من أحد الأشخاص بحجة دية دم مستحقة، ما يدل على امتلاك هذه المؤسسات سلطة تنفيذية في مثل هذه القضايا.
وجدير بالذكر أن المعلومات المتوفرة لا تقدّم إجابة واضحة عن قيمة الدية، فبعض النصوص تشير إلى مبالغ مختلفة، دون تحديد ما إذا كانت تمثل الدية كاملة أو تشمل نفقات إضافية، وقد قيمة الدية كانت تختلف بحسب عدة عوامل، منها هوية الضحية آشوري أو أناضولي، ومكانته الاجتماعية، وثروته، إضافة إلى نفوذ عائلته أو الجهة المطالبة بالتعويض.