

بقلم : جميل دياربكرلي / المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان
كان مشهد الاحتجاج الذي غصّت به ساحة "باب توما " في العاصمة السورية دمشق، تعبيراً وجودياً في وجه محاولة ممنهجة لتشويه الهوية السورية واختزال الوجود المسيحي التاريخي في قنينة مشروبات روحية.
هذا التحرك الشعبي تجاوز كونه اعتراضاً على قرار إداري صادر عن محافظة دمشق يفتقر للقانونية ويتعارض مع مرسوم عام 1952 الناظم للحانات، ليكشف عن غصة عميقة تجاه صورة منقوصة لا تزال تسكن مخيلة البعض ممن نعتبرهم شركاء في الوطن. فحين انتفض سكان أحياء "باب توما، القصاع، باب شرقي" رفضاً لتحويل حاراتهم السكنية العريقة إلى بؤرٍ للسهر المفتوح ومقصد وحيد للشرب والعربدة في العاصمة، انبرت أصوات تتهمهم بـ"السكر" والدفاع عن "القدح"، متجاهلةً إصرار الأهالي على حماية أزقتهم من التحول إلى متنفس وحيد لتفريغ أعباء السهر العشوائي وفوضى العاصمة، ومغيبةً تاريخاً طويلاً من النضال والعطاء الذي بدونه تفقد سوريا جوهرها.
الخطورة الكامنة في هذه القرارات تتخطى التنظيم الإداري المزعوم لتكشف عن عقلية إدارية تعيق التطور والتحديث والنهوض، وتدفع نحو تكريس التمييز العنصري والفرز الطائفي. فحصر هذه النشاطات في أحياء ذات طابع مسيحي يمثل محاولة لتحويل المناطق التاريخية إلى "غيتوهات" معزولة، وفرض وصاية أيديولوجية تحت مسميات "الآداب العامة" و"المجتمع المحلي"، مما يؤدي حتماً لأسلمة الفضاء العام ومصادرة الحريات الشخصية. هذا النهج المستمر منذ سنوات، والمثقل بالتجاوزات والانتهاكات الكبرى، يقود البلاد نحو معايير الدولة الفاشلة، حيث ينتج الإصرار على السياسات الإقصائية مزيداً من التقسيم والتشتت والكراهية، ويضاعف التباعد بين السوريين في وقت تشتد فيه الحاجة لبناء جسور المواطنة. تراجع أصحاب القرار تحت ضغط الشارع لم يكن "انتصاراً للويسكي" كما حاول البعض تصويره، وإنما كان دفاعاً عن مدنية الدولة وحمايةً للعاصمة من التحول إلى بيئات منغلقة تنبذ الاختلاف. المجتمع السوري، بطبعه المتدين والمنفتح في آن واحد، يرفض فرض الأيديولوجيات الغريبة والأحادية، ويرى في معركة اليوم مواجهةً من أجل الهوية والوجود.
إن الحفاظ على دمشق وسوريا كفضاء رحب يتسع للجميع تحت مظلة المواطنة هو الخيار الوحيد لمواجهة عقليات "الغيتو" التي لا تتقن سوى الهدم. لقد حملت رسالة أهالي باب توما تأكيداً على الشراكة الأصيلة في الأرض والمصير، ووضعت الرهان على وعي السوريين في رفض الفصل العنصري بكافة أقنعته، صوناً لسوريا الجامعة وحمايةً لما تبقى من أركان الوطن.
رابط المقال :
https://www.copts-united.com/Article.php?I=6227&A=859077#google_vignette