بحث جديد يسلّط الضوء على إبادة سيفو ويعزّز المطالبات بالاعتراف بها      النائب الفني لمحافظ نينوى يستقبل وفداً من مؤسسة الجالية الكلدانية في الولايات المتحدة الأمريكية/ مكتب العراق وذلك لتقديم التهاني بمناسبة تسنّمه مهام منصبه الجديد      ملاحقات واعتقالات تطال عشرات المسيحيين اليمنيين وتقارير تكشف عن تنامي "الإيمان السري" رغم مخاطر الإعدام      وفد قيادي من المنظمة الآثورية الديمقراطية يشارك في الحوار المفتوح الذي دعت اليه الحركة السياسية النسوية حول بيان مؤتمرها العام السابع      الثروة المعدنية في إقليم كوردستان… قراءة علمية في أمسية أكاديمية بعنكاوا      قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني يصل إلى ملبورن في زيارة رعوية      غبطة البطريرك يونان يحتفل برتبة الشوبقونو (المسامحة) في بداية الصوم الكبير في كنيسة الدير الأمّ للراهبات الأفراميات، بطحا، حريصا، لبنان      مجلس سوريا الديمقراطية يجدد التزامه الكامل بمشروع وطني شامل يضمن الحقوق القومية لجميع شعوب سوريا      رئيس الحكومة يستقبل وفداً من مجموعة البرلمانيين في المملكة المتحدة المعنية بالحريات الدينية      محافظ نينوى يستقبل المطران مار توما داود ويؤكد دعم عودة العوائل المسيحية إلى الموصل      خلال 24 ساعة.. أكثر من 50 طائرة مقاتلة أمريكية تصل إلى المنطقة      قصة أبهرت العالم.. دمية تصبح أما لقرد هجرته أمه بعد ولادته      اللياقة البدنية تدعم قدرتك على تحمل الضغوط النفسية      "قالها 5 مرات".. مبابي يكشف تفاصيل واقعة "سب فينيسيوس"      تحذيرات بكتيريا مجمدة منذ 5000 عام قد تطلق وباءً جديداً      أربعاء الرماد: جذور كتابية عميقة وتاريخ كنسيّ يمتد عبر القرون      إقليم كوردستان يدشن مجلساً سياحياً جديداً لتعزيز السياحة وتوفير آلاف فرص العمل للشباب      مجلس القضاء الأعلى: أكثر من 27 ألف عقد زواج مقابل نحو 6 آلاف حالة طلاق في كانون الثاني      حراك داخل "الإطار التنسيقي" لإبعاد المالكي وترشيح بديل "أكثر قبولاً"      طهران تبث رسائل إيجابية.. وتوافق على زيارة الوكالة الذرية منشآتها
| مشاهدات : 340 | مشاركات: 0 | 2026-02-18 06:36:51 |

الغياب الذي يرمم الذاكرة: لماذا لا نعرف قيمة الأب إلا برحيله؟

رائد ننوايا

 

 

توطئة:

هذا المقال ليس مجرد كلمات مرتبة، بل هو محاولة لترميم الذاكرة قبل فوات الأوان. لقد كتبتُ هذه السطور بمداد من الواقع الذي نعيشه؛ ذلك الواقع الذي يغلفنا بـ "الاعتياد" حتى نفقد القدرة على الإبصار، ثم تفتحه لنا "الأبوة" على مصراعيها لنرى تضحيات آبائنا في عيون أطفالنا. إن قيمة الأب لا تُقاس بما يضعه في جيوبنا، بل بما يزرعه في أرواحنا من أمان.

يقولون إننا نعيش في نعمٍ لا ندركها إلا حينما تصبح "ذكرى". وفي مقدمة هذه النعم يقف الأب؛ ذلك العمود الصامت الذي يحمل سقف البيت دون أن يشتكي، والجدار الذي نستند إليه كلما عصفت بنا رياح الحياة. لكن المفارقة الحزينة هي أننا نعتاد وجوده حتى ننسى عظمته، ولا نستيقظ إلا على صدمة الفقد، أو حين نضع أقدامنا في ذات "الحذاء" الذي كان يرتديه.

 

حين نقرأ آباءنا بعد الرحيل

حين يرحل الأب، تبدأ الذاكرة بممارسة دورها في الترميم، فنعيد قراءة المشاهد التي مرت بنا وكأننا نراها لأول مرة. نفتح كتاب حياته الذي ظننا أننا حفظناه، لنكتشف أننا كنا نقرأ العناوين فقط، بينما تكمن المعجزات في الحواشي والتفاصيل الصامتة نكتشف حينها أن الأب هو ذاك البطل الذي لا يرتدي عباءة، بل تكمن بطولته في تلك التفاصيل التي لم نكن نلقِ لها بالاً؛في محبته وعطائه اليومي، في عمله لساعات طويلة ليوفر لنا لقمة العيش، وفي كونه 'السند' الذي يحمينا من تقلبات الحياة بصبره وحكمته وتضحيته. لقد كان يضحي بصمت، لأجل راحتنا ويحب دون شروط، بطلاً 'متخفياً' في ملابس عمله البسيطة.. واليوم، في غيابه، ندرك أن ذلك الحنان الفائق هو الذي بنى شخصياتنا ومنحنا الأمان الذي افتقدناه برحيله."

والغصةُ المريرةُ أننا لم نُدرك حجم تلك التضحيات إلا في غيابه؛ إذ تبيّن لنا الآن أن كل لحظةِ راحةٍ نعمنا بها كانت اقتطاعاً من راحته، وكل طمأنينةٍ سكنت أرواحنا كان ثمنها قلقاً مضنياً في قلبه، لكنه آثر أن يغلف ذلك الوجع كله بصمت الأبطال.

أن ذلك الحنان الفائق لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان المادة الخام التي بُنيت بها شخصياتنا، والأمان الذي افتقدنا برحيله . لقد كان يحترق بهدوء ليضيء لنا ممرات المستقبل، ويرحل بهدوء كما عاش، تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه الإ الإرث الذي غرسه فينا ، واثره فينا باقٍ ما حيينا. نحن اليوم لا نرثيك ، بل نعيد قراءتك بقلوب نضجت بفضل حنانك ، وعيون رأت أخيراً عظمة ما قدمت.

 

وداعاً يا بطلنا الصامت

في نهاية الطريق، ندرك أن الغياب ليس مجرد فراغ، بل هو مرآة تعكس لنا عظمة ما كنا نملك ولم نُدرك. نعتذر لتلك الأيادي التي تعبت ولم نقبّلها بما يكفي، ولذلك الظهر الذي انحنى لنستقيم نحن ولم نسنده في وقته. لقد رحل البطل الذي لا يرتدي عباءة، لكنه ترك خلفه أثراً لا يمحوه الزمن، وشخصياتٍ قوية بناها بحبات عرقه وصبره.

 

  فخ "الاعتياد" والأمان المجاني

نحن نكبر ونحن نرى الأب "موجوداً دائماً". كأنه جزء ثابت من تضاريس البيت لا يتغير. هذا الوجود المستمر يخلق لدينا وهماً بالخلود، فنعتبر مظلات الحماية  والتضحيات التي يوفرها لنا مجرد تفاصيل عادية في مشهد يومي رتيب. نحن نستهلك أمانه، وصحته،  وهدوء باله يومياً دون أن نسأل أنفسنا ولو لمرة واحدة عن الثمن الذي يدفعه من روحه ليظل سقفنا مرفوعاً.

إننا نقع في فخ "الاستحقاق"، فنظن أن من حقه علينا أن يعطي، ومن حقنا عليه أن نأخذ، متناسين أن خلف كل رغبة مُجابة تضحية صامتة، وخلف كل استقرار نعيشه عاصفة خاضها بمفرده لكي لا نصل لخطوط المواجهة. هذا الاعتياد هو ما يجعلنا نؤجل كلمات الشكر والامتنان، ظناً منا أن "الوقت متسع ، بينما الوقت في الحقيقة يسرق منا أعظم لحظات الوصل دون أن نشعر.

هذا "التعود" ليس مجرد ألفة عادية، بل هو حالة من تخدير الوعي تتلخص في ثلاثة وجوه:

ألفة النعمة: أن تعتاد رؤية والدك كل صباح، فتظن أن وجوده "تحصيل حاصل" أو أمر مضمون لا يمكن أن ينتهي، متناسياً أن كل يوم معه هو هبة وليست حقاً أبدياً.

فقدان الدهشة: حين يفعل الأب شيئاً عظيماً لأجلك (مثل العمل لساعات إضافية أو التنازل عن راحته)، لا تراه عملاً بطولياً لأنك "تعودت" منه ذلك، فتصبح تضحياته في عينك مجرد "روتين" عادي لا يستحق التوقف.

وهم الاستمرارية: أن تعتقد أن "الأمان" الذي يوفره لك هو حق مكتسب ومجاني، فتنسى أن تشكره عليه لأنك لم تعد تشعر بقيمته كشيء مميز، بل كشيء طبيعي وضروري مثل الهواء والماء.

باختصار: التعود هو أن تألف العطاء حتى يتوقف قلبك عن الشعور بعظمته، ولا تستيقظ من هذه الحالة إلا عندما يختفي هذا العطاء فجأة.

 

الحقيقة الكبرى.. عندما تصبح أباً ستدرك كل شيء

هناك فجوة معرفية لا يردمها إلا "خوض التجربة". لن تفهم والدك حق الفهم إلا في اللحظة التي تحمل فيها طفلك الأول بين يديك ، حينها فقط ستدرك أن سهر والدك لم يكن مجرد أرق، بل كان قلقاً محباً على مستقبلك، وأن قسوته أحياناً لم تكن تسلطاً، بل كانت خوفاً من عالم يعرف هو مدى قسوته. حين تصبح أنت المسؤول عن "تأمين حياة"، ستنظر للسماء وتقول: "سامحني يا أبي، الآن فقط عرفت كم كان الحمل ثقيلاً".

 

عندما تصبح أنت "الدرع"

أكبر درس تتعلمه بعد الفقد هو الانتقال المفاجئ إلى "الخط الأمامي". تدرك قيمة الثقل الذي كان يحمله عنك عندما تبدأ أنت بحمله عن أطفالك. في تلك اللحظة، يتجسد والدك في تصرفاتك، في نبرة صوتك، وفي خوفك على صغارك؛ تنظر إلى السماء بقلبٍ يملؤه الامتنان والاعتذار في آنٍ واحد، وتقول: "لقد فهمت الدرس أخيراً يا أبي". وتتساءل بذهول: "كيف كان يفعل كل هذا بابتسامة؟".

 

الحماية الصامتة ودروس مدرسة الفقد

حين يرحل الأب، لا نفقد شخصاً فحسب، بل نفقد "نظام حماية" كاملاً. فجأة، تجد نفسك في مواجهة مباشرة مع خشونة العالم دون درع يحميك، تدرك حينها أن تلك النصائح التي كنت تراها "مملة" كانت هي شيفرة النجاة.وتبدأ الدروس المتأخرة في الظهور:

  • قيمة التفاصيل: تصبح رائحة ثيابه، نبرة صوته وهو يناديك، وحتى عتابه القاسي، أثمن من أي كنوز.
  • الندم على الكلمات المحبوسة: تدرك أنك كنت تملك الوقت لتقول "أحبك" أو "شكراً"، لكنك أجلتها لغدٍ لم يأتِ.

 

ختاماً: قبل أن يُغلق الكتاب

الأب هو بطل لا يرتدي عباءة، وقيمته ليست في ما يملكه، بل في الأمان الذي يمنحه. إذا كان والدك لا يزال بجانبك، فلا تنتظر "حكمة الفقد" أو "تجربة الأبوة" لتعرف قدره، بل ابدأ الآن في تقدير وجوده كأعظم انتصار في حياتك. ؛ فالأب هو الكتاب الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يُغلق للأبد.

 

 










أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6035 ثانية