

عندما نتصفح التقويم الكلداني، تستوقفنا عبارة تحمل دقة لاهوتية بالغة: "تذكار الموتى المؤمنين". لم تُكتب العبارة بصيغة "تذكار الموتى" بشكل عام، وهذا التخصيص يستوجب منا وقفة تحليلية لنفهم الأبعاد الروحية التي تُميز بين من رقدوا على رجاء القيامة وبين غيرهم. إن هذا الاختيار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استناداً إلى منطق كتابي يحدد طبيعة العلاقة بين الموت والإيمان؛ مقتدين في ذلك بالأسفار المقدسة التي لا تنظر إلى الموت كنهاية بيولوجية، بل كحالة انتظار واعية للمؤمنين.
فلسفة الانتقاء.. لماذا "المؤمنين" وليس "الموتى"؟
لو كُتبت العبارة "تذكار الموتى" لشملت الجميع دون استثناء (المؤمن وغير المؤمن)، لكن الكنيسة، في حكمتها المستمدة من الوحي الإلهي، حصرت التذكار في "المؤمنين". هذا التخصيص ليس إقصاءً، بل هو إقرار بحقيقة كتابية مفادها أن الحالة الأبدية للإنسان تتحدد بناءً على استجابته لعمل النعمة وإيمانه في حياته الأرضية.
ميزان الوحي.. الموت ليس نهاية متساوية للجميع
عندما نراجع الكتاب المقدس، نجد أن "الموت" ليس نهاية موحدة من حيث النتيجة الأبدية، وهذا ما تثبته الشواهد التي أوردها التقويم:
من الفناء إلى العبور (حزقيال 37: 1-7): في رؤيا العظام اليابسة، نرى الروح يحلُّ فيمن يحيون بكلمة الرب، وهي رمزية لاهوتية للقيامة التي تخص شعب الله المرتبط بعهده، حيث لا يعود الموت فناءً ، بل يتحول إلى عبور نحو حياة جديدة بقوة الروح القدس.
غلبة مخصصة (1 كورنثوس 15: 54-58): يؤكد القديس بولس أن الموت يُبتلع في النصرة للذين هم "في المسيح" فقط، شاكراً الله الذي يعطي الغلبة لمن ثبتوا في الإيمان.
الفصل الحاسم (متى 25 : 31-40): وهو الشاهد الأهم؛ حيث يفرق الرب يسوع بين "الخراف" (المؤمنين الذين ترجموا إيمانهم لأعمال رحمة) وبين "الجداء" الذين يمضون إلى عذاب أبدي.
حتمية الاستجابة.. هل الوعود شمولية للجميع؟
بين المحبة والدينونة: الله يحب الجميع ويريد خلاصهم، لكن الاستجابة الشخصية (الإيمان) هي التي تحدد المصير.
عدالة الحصاد والمسؤولية: إن تعميم الوعود دون اعتبار للإيمان أو الأعمال يلغي مفهوم "العدل الإلهي" وحرية الإرادة الإنسانية. كما يقول الرب: "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يوحنا 11: 25)، وكلمة "مَن" هنا شرطية تفيد التخصيص.
خاتمة: : النداء الأخير.. قبل أن يُغلق الكتاب
إن صفة "المؤمن" في تقويمنا ليست لقباً فخرياً، بل هي هوية روحية. فما ينقله لنا الكتاب المقدس وما يؤكده لنا هو أن صفة المؤمن ليست لقباً يُمنح لكل من رحل ، بل هي شركة حياة مع الله تبدأ هنا وتكتمل هناك . أن التذكار مُخصص لأعضاء جسد المسيح الذين انتقلوا وهم في شركة معه. وهذا يدفعنا للتساؤل: هل نعيش بإيمان يجعلنا مستحقين أن نُشمل في هذا التذكار المقدس؟ فالعبرة ليست في حتمية الموت، بل في "الإيمان" الذي يسبق الموت ويجعله جسراً للقيامة.
إن دقة الكلمات في تقويمنا هي دعوة لنا لنصحو؛ فالله لا ينظر إلى الموت كحدث بيولوجي، بل كحصاد لرحلة إيمان. فلنعمل لكي نكون من "المؤمنين" الذين يستحقون التذكار والقيامة المجيدة.
إضافة استكمالية: ما وراء الرخام.. هل الكل "يرقد على رجاء القيامة"؟
بعد أن استعرضنا في المقال أعلاه ، لا بد لنا من وقفة تأملية أمام العبارة التقليدية التي نراها محفورة على القبور: "هنا يرقد على رجاء القيامة". كلمات تمنحنا تعزية فورية وتغلف الموت بوشاح من الطمأنينة، لكن في ضوء ما حللناه سابقاً، يبرز السؤال الجوهري: هل جميع الموتى فعلاً يرقدون على هذا الرجاء؟
لنأخذ الإجابة الصادمة والمباشرة من فم الرب يسوع، الذي لم يجمّل الواقع بل كشفه بوضوح يقطع الشك، متمماً بذلك منطق التمييز الذي تحدثنا عنه:
يواجهنا الرب بمشهد مهيب؛ أشخاص عاشوا بأسماء دينية، بل وقاموا بأعمال "روحية" مذهلة، لكن الرد كان قاسيًا: "إني لم أعرفكم قط! اذهبوا عني يا فاعلي الإثم". هنا ندرك أن "رجاء القيامة" ليس مجرد "كلمة حق" تُكتب للجميع، بل هو ثمرة معرفة شخصية وعلاقة حقيقية مع الله.
الخلاصة:
إن عبارة "على رجاء القيامة" هي دعوة لنا نحن الأحياء قبل أن تكون ذكرى للموتى. هي تذكير بأن القيامة ليست "حدثاً آلياً" يحدث للجميع بنفس الطريقة، بل هي ثمرة حياة سلكت درب الإيمان والعمل.
لذا، دعونا لا نكتفي بجمال الكلمات المحفورة على القبور، بل لنسعَ أن تكون حياتنا اليوم هي "الرجاء" الحقيقي الذي لا يخيب، لكي عندما يحين الوقت، لا نكون مجرد أسماء تحت الرخام، بل أبناءً يعرفهم سيد القيامة بالاسم، ونستحق فعلياً لقب "الموتى المؤمنين".