

طوبيا 8:12"( صالحة الصلاة مع الصوم والصدقة خير من إدخار كنوز الذهب )
تعريف الصوم: هو ممارسة روحية وجسدية يمارسها المؤمنون لمصلحة الروح والجسد. الغاية منه تذليل الجسد بتجويعه لكي ينزل إلى مستوى الفقير ليشعر بآلامه فيمد للمحتاج العون ليشعر بمحبته وإنسانيته فيتناول من خيراته التي صدقها له . إذاً الصوم هو وسيلة روحية وجسدية غايتها النمو في الإيمان. في أيام الصوم يتعلم الصائم على ضبط النفس بتحمل أوجاع الجوع لإماتة شهوات الجسد، فهو نوع من أنواع إنكار الذات لأجل زيادة التقوى والإبتعاد من إقتراف الخطيئة كما تساعد فترة الصوم إلى التركيز الروحي في الصلاة والقراءات الروحية وسماع صوت كلمة الرب في الكنيسة والمشاركة في التسابيح والنشاطات الروحية والصلاة المشتركة أو الفردية التي يدخل فيها الفرد في تأمل عميق ومفيد في مخدعه.
أبرز ما نطالعه عن تاريخ الصوم هو صوم الأبوين في جنة عدن من تناول ثمار شجرة معرفة الخير والشر لأن الله منعهم من تناولها لكي لا يموتوا ، لكن الشيطان أقنعهم بقوله ( لا تموتا) " تك 4:3"
لكن عندما كسروا الوصية مات الإثنان في الحال موتاً روحيا فشاهدا عري أجسادهم، وإنقطعت علاقتهم بمن كان يحبهم، والذي كان مصدر حياتهم، فانفصل النور عن ظلمة الإنسان، ففقد البر والقداسة والفرح، فصار الله للإنسان مخيفاً ومرعباً، كما شعرا بالموت الأدبي، بالخزي والسقوط . بعد ذلك بدأت الأمراض، وتعرفوا على تعب العمل، وشعروا بالشيخوخة التي تدب في أجسادهم لكي يستسلموا للموت الجسدي.
كذلك صام نوحاً ليتعبد إلى الله خالقه. وصام الأنبياء كموسى وأيليا. في أسفار الشريعة نجد صوم يوم الكفارة الجماعي السنوي الذي أقرته شريعة موسى ( راجع لا 29:16). وصام دانيال ورفاقه صوماً تقشفياً فإمتنعوا من أكل اللحوم الحيوانية، وتناول الخمر والأطعمة الشهية. كما ظهرت أصوام جماعية في أيام يوئيل النبي، وصوم أهل نينوى. وهكذا تنوعت الأصوام في نظامها وبعدد أيامها. في الإنقطاع التام عن الزفرين، والإنقطاع الجزئي ، والهدف المرجو من الصوم هو الإقتراب من الله والإنسان. لإننا في فترة الصوم نقترب من الفقير عندما نرحمه بصدقتنا أثناء الصوم. والله يعبّر عن محبتنا له بربطها بمحبتنا للإنسان المحتاج إلى عطيتنا، فيقول :
لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني. وكنت غريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني، ومريضًا فزرتموني. وسجيناً فجئتم إليَّ" (مت 25: 35- 40 ). وبهذا يرتقي الصوم إلى أرقى العبادات. ويفترض أن يكون الصوم سراً بين المؤمن والله لكي ينال أجره من الله الذي لا يراه.
في العهد الجديد بدأ الصوم من يوم صعود المسيح إلى السماء في عيد الصعود فلجأ التلاميذ مع العذراء إلى الصوم والصلاة ليتمموا قول الرب لتلاميذ يوحنا الذين قالوا له:
لماذا نصوم نحن والفريسيون كثيراً وأما تلاميذك فلا يصومون. فقال لهم: ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون
" لو 35:5". وفي اليوم العاشر بعد الصعود ، أي يوم الخمسين حل عليهم الروح القدس، فظهرت لهم ألسنة كأنها من نار .. فإمتلأوا جميعاً من الروح القدس. أي تعمدوا بالروح القدس والنار.
الصوم الكبير ومدته 40 يوماً، ويليه صوم إسبوع الآلام الذي يستعد فيه الصائم لإستقبال جسد ودم الرب في يوم الفصح، يوم قيامة المسيح وإنتصاره على الموت. وهذا هو أطول صوم في الكنيسة، أيامه مقدسة يمارس فيها الصائم حياة شبيهة بالنسك فيمتنع من تناول اللحوم، لكن عليه أن لا يتناول لحوم البشر يذكرهم أمام الآخرين بالسوء. لا يجوز معادات ومحاربة الإخوة في الإنسانية مهما كانت أخطائهم ومبادئهم وقساوتهم، عليه أن يحبهم ويصلي من أجلهم. كذلك في الصوم يمتنع من تناول الألبان ومشتقاتها، فيلجأ الصائم إلى تناول الأطعمة النباتية والأسماك. هكذا يقترب الصائم من الله ويتحرر من ضعفاته بالصوم والصلاة والصدقة والصفح . الصفح والمصالحة هي أفضل هدية يقدمها الصائم إلى الله من خلال الإنسان الذي غفر له، فعندما يعود السلام بين الإنسان وأخيه الإنسان يعود الفرح فيحصل الشفاء الروحي ويتحرر من مشاعر العداوة والغضب ليصبح حراً، والحرية هي أعظم عطية.
في الصوم الكبير وبحسب قوانين الكنيسة الكاثوليكية يكون الصوم حتى الظهر مع الإمتناع عن اللحوم والألبان ومنتجاتها، وخاصةً في الأيام المحدودة. و يسمح تناول الأسماك ، والزيت النباتي. وبإستطاعت المؤمن أن يصوم كل أيام الصوم الكبير كله كالأيام التي تحدد فيها الكنيسة اللحوم والألبان. وهناك من يصوم حتى في أيام الآحاد علماً بأن يسوع " العريس " يكون معنا، نتناوله في سر القربان، إذاً القرار هنا شخصي نابع من قلب مؤمن الذي يبحث على المزيد من الفضيلة والتقوى.
أما عن أسباب تقليص الكنيسة الكاثوليكية الصوم إلى يومين فقط وهي اليوم الأول " الأثنين "بالنسبة إلة الكنائس الكاثوليكية الشرقية. أو " الأربعاء " يوم الرماد، بالنسبة إلى الكاثوليكية الغربية. ويوم الجمعة العظيمة. السبب هو لتبسيط الطقوس لكي تتناسب مع الظروف الحياتية الصعبة في هذا الزمن، ولكي يتركز المؤمن إلى الجانب الروحي في التوبة والإعتراف كطريقة بديلة للتقشف الصارم في الصيام ونوع الطعام. فأهم ما في الصوم هو ضبط النفس من إرتكاب الخطايا، والتوبة في أثناء الصوم والصلاة والصدقة والمصالحة ، هكذا يتحول المؤمن إلى التركيز إلى الجانب الروحي أكثر من التركيز إلجسدي.
عندما نبحث عن أصول تاريخ الصوم الكبير فنجد أنه كان تقليداً رسولياً أشار إليه الآباء كمار أفرام السرياني في القرن الرابع، والقديس كيرلس الأول بأن الصوم كان يقتصر على أيام قليلة، ثم تطور وبحسب الكنائس إلى إسبوع واحد فقط. ثم وصلت عدد الأيام إلى الأربعين لكي يقتدوا بالمسيح وموسى وإيليا النبي.
وفي الكنيسة الكاثوليكية وخاصةً الكلدانية، توجد أصوام أخرى كصوم الميلاد الذي يبدأ من شهر التبريكات إلى عيد ميلاد المسيح.
وصوم الباعوثة ومدته ثلاثة أيام. وصوم العذراء. وصوم أيام الجمعة.
في الختام: الصوم نظام روحي، الغاية منه تأسيس علاقة متينة مع الله والإنسان، وتعزيز النمو الروحي والأخلاقي وذلك بالصوم من أطياب هذا العالم التي يشتهيها الجسد، والصوم من إقتراف الخطايا والسقوط بسبب الزلات والتجارب التي يتعرض عليها كل إنسان، وعليه أن يتحملها ويتحداها بصبر وإيمان لكي يتجاوز التجربة وينتصر على المجرب
توقيع الكاتب ( لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن ) " رو 16:1"