

يعيش العراق، ومنذ أسبوعين تقريبًا، في حَيْص بَيْص بسبب انقلاب المشهد السياسي العامّ نتيجة للتدخّلات والضغوط الخارجيّة الأمريكيّة!
وخلال ساعات معدودة ضجّت الساحة العراقيّة بالمراجعات والتقلّبات والمناقشات والمجادلات والنزاعات والمخاصمات والمشاحنات والحوارات وغيرها من صور التوتّر والخصام والحوار، وذلك بعد تغريدة مفاجئة من الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب!
وقال الرئيس ترامب في تغريدة على منصة "تروث سوشال"، الثلاثاء 27 كانون الثاني/ يناير 2026، إنّه سمع بأنّ العراق قد يتّجه لإعادة نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وفترة حكمه السابقة أدّت إلى "انحدار العراق نحو الفقر والفوضى الشاملة"!
وبيّن الرئيس الأمريكيّ بأنّ بلاده "ستوقف أي ّمساعدة للعراق في حال انتخاب المالكي، والعراق لن تكون لديه أيّ فرصة للنجاح والحرّيّة من دون الدعم الأميركيّ"، وسبق لتحالف "الإطار التنسيقيّ" الشيعيّ أن أعلن يوم 24 كانون الثاني/ يناير 2026، ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء.
وتغريدة ترامب سبقتها، وتلتها، جملة من الأحداث التي لم تكن إلا بموجب تفاهمات وتسريبات من الغرف الخاصّة، حيث إنّ البرلمان، ورغم تجاوز المدد الدستوريّة، فشل في جلستين باختيار الرئيس الجديد لجمهوريّة العراق، وآخرهما جلسة الأوّل من شباط/ فبراير 2026، ويقال بأنّ الرسائل الأمريكيّة الخاصّة لبغداد وأربيل، وليس فقط عدم التوافق الكرديّ – الكرديّ، كانت وراء هذا التراخي في انتخاب رئيس الجمهوريّة وهي الخطوة التي ستقود إلى انتخاب رئيس الحكومة المقبل، وهنا تكمن العقدة!
ويقال بأنّ المكالمة المهمّة بين الرئيس مسعود البرزاني والمبعوث الأميركيّ توم باراك يوم 26/1/2026 تضمّنت بأنّ "حكومة تُنْصبها إيران لن يُكتب لها النجاح"!
ولاحقًا حذّر وزير الخارجيّة الأمريكيّ ماركو روبيو رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني ممّا قد "يحمله قيام حكومة عراقيّة موالية لطهران على مستقبل العراق وعلاقته مع واشنطن"، ومع ذلك استمرّ الإطار بترشيح المالكي، ووافق السوداني شخصيًّا على ترشيحه رغم فوزه بأكبر مقاعد الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة!
فهل تراجع السوداني عن رئاسة الحكومة جرى بموجب لعبة تدار من وراء الستار بتنسيق مع واشنطن، أم أنّ السوداني تنازل بصدق بلا اتّفاقات سرّيّة؟
في ضوء مجريات الأحداث ومحاولات السوداني الظهور بمظهر رئيس الحكومة الأصيلة وليس حكومة تصريف الأعمال، ربّما، أميل لفرضيّة التنسيق مع واشنطن!
وبعد أيّام أعلن المرشد الإيرانيّ "علي خامنئي" مباركته لترشيح المالكي، وحينها بدأت موجة الغضب الأمريكيّ لقرار الترشّح، رغم تأكيد المتحدّث باسم تحالف المالكي "دولة القانون" عقيل الفتلاوي بأنّ واشنطن "راضية عن ترشيح المالكي لقدرته على ضبط الفصائل"!
وبهذا فإنّ التقارب العلنيّ مع طهران، وتغريدة ترامب البركانيّة، والاتّصال الناريّ بين البرزاني وباراك، والاتّصال الساخن بين روبيو والسوداني جميعها عوامل ضاغطة دفعت غالبيّة الساسة، وخصوصًا الكرد رغم مباركة البرزاني لترشيح المالكي، للوقوف والتأمّل والحذر الشديد من عودة المالكي!
وهكذا فإنّ جمود مرحلة انتخاب رئيس الجمهوريّة من الجانب الكرديّ ستوقف حتمًا مرحلة تنصيب رئيس الحكومة لأنّه وفقًا للدستور يُكلِّف رئيس الجمهوريّة رئيس الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة، وهكذا فإنّ السياسة الكرديّة أثبتت أنّها متفهّمة جدًّا للحكمة السياسيّة القائلة: لا صديق دائم، ولا عدوّ دائم، والحكيم مَن يحصد مصالحه بلا خسائر، أو بأقلّ التضحيات!
وأعتقد أنّ الإطار التنسيقيّ إن أصرّ على المالكي، ولم تقتنع واشنطن بعروض بغداد (المالكي) السخيّة والسرّيّة، فربّما، العراق مقبل على عدّة سيناريوهات، وأبرزها:
- عقوبات اقتصاديّة أمريكيّة وتحكّم بموارد النفط، وبالذات مع احتماليّة
توقف الدعم الأمريكيّ للاقتصاد العراقيّ، أو بعبارة أدقّ تقنين دخول الدولار للعراق خصوصًا وأنّ موارد العراق الماليّة النفطيّة تمرّ عبر البنك الفيدراليّ الأمريكيّ، وكم سيصل صرف الدولار بالسوق الموازي العراقيّ؟
- ضغوطات أمريكيّة سياسيّة ودبلوماسيّة تُحَجّم علاقات العراق الخارجيّة.
- تشجيع واشنطن للمظاهرات الشعبيّة ودعمها، خصوصًا مع النقمة العامّة نتيجة لفوضى الإدارة.
- دعم واشنطن للمعارضة العراقيّة الخارجيّة، واحتماليّة تغيير النظام والعودة لمربع العام 2003، وربّما، دعم مشروع الأقاليم الثلاث!
المعطيات السابقة، وأزمة السيولة الماليّة الحاليّة جميعها عوامل محفزة لثورة مقبلة مشابهة لثورة تشرين بالعام 2019 التي أدخلت العراق بأزمات سياسيّة قلبت المشهد السياسيّ وكادت أن تطيح به كاملًا!
وبموجب هذه التطوّرات هل العراق أمام وصاية أمريكيّة جديدة، وما الذي تبقّى من سيادة الدولة بعد التدخّلات الأمريكيّة العلنيّة الشاملة؟
وهل يليق بالعراق أن يكون ساحة للصراعات الأمريكيّة - الإيرانيّة وغيرها؟
ولماذا لا يكون دولة لها مكانتها الإقليميّة المعتبرة وخصوصًا وأن كافّة مؤهّلات التأهّل، عدا القيادة الأصيلة، موجودة؟
وهل الفيتو الأمريكيّ على المالكي سيدفع الإطار التنسيقيّ للبحث عن مرشّح بديل أم سيتمسّكون به حتّى النهاية؟
ومتى وكيف سيتخلّص العراق من الانسداد السياسيّ والخيارات القاتلة المرتقبة؟
وقبل ساعات هنالك تسريبات تُلمّح لاحتماليّة بقاء السوداني كرئيس حكومة تسيير أعمال لعام كامل وذلك للتغطية على الانسداد السياسيّ وتجاوز الدستور، ولاحقًا قد تعاد الانتخابات البرلمانيّة!
وعليه سواء أكان المالكي الرئيس القادم للحكومة أم غيره، فما الذي جناه العراقيّون من العمليّات السياسيّة الخمس الماضية؟
@dr_jasemj67