

الصوم... فترة مقدسة ومسيرة نحو الفصح والقيامة، لذا علينا أن نعمل جهدنا ونجنّد طاقاتنا وإمكانياتنا في سبيل التقدم نحو الفصح، لأنه زمان يتطلب الكثير من التضحيات ومن العمل ولكن بفرح وحب. وكما نعلم أن المسيح لم يفرض علينا الصيام ولكنه قال:"حينما يُرفَع العريس
من بينهم فعندئذٍ يصومون" (لو35:5) فهو لم يحدّد مواسمه ولا أيامه ولا حتى زمنه.
والكنيسة أمّنا هي التي فرضت علينا الصيام لكي تدعونا وتحثّنا على السير قُدُماً نحو الفصح اقتداءً بالمسيح الذي صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً. فالصوم ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة يتّخذها المؤمن للإرتقاء إلى الله والبلوغ إلى السعادة ومقاسمة الآخرين حياتهم كما يقول إشعيا:"أليس الصوم هو أن تكسر للجائع خبزك؟" (أشعيا 7:58)
ومع تطور الإنسان تطوّر الصوم في تفكير الإنسان وأعماله، وهذا أمر لا يدعو إلى الشكّ أو العثرة. فالصوم جُعِلَ من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجل الصوم (مرقس 27:2) فشريعة الصوم لا زالت قائمة إنما أسلوبها وتعاطيها قد تغير بتغير الإنسان، والمسيح أوصانا أن نعرف التصرف حينما نصوم دون أن نتوخى من صومنا غايات أنانية ومجداً باطلاً وتافهاً.
فالصوم ليس الانقطاع فقط عن الأكل والشرب فكثير من المسيحيين لا يعرفون حقاً لماذا يصومون ولا كيف يصومون إنما هم متمسكون بالتقاليد ويحافظون عليها بأمانة دون وعي عميق.
نعم، في مفهومه الطبيعي يكون الصوم امتناع عن الطعام والشراب أو الامتناع عن بعض الأصنفة لفترة معينة كتدخين السكائر وأمور أخرى وإن كان هذا أمر صعب للطبيعة ويسبب نوعاً ما شيئاً من العذاب الجسدي لا سيما إذا كان الصوم صارماً وطويلاً، ولا يحق لإنسان كما نعلم أن يعذّب جسده دون مبرر، ولكن هو مستحق كل إكرام واحترام، وعليه أن يكون قادراً مع النفس في تكوين الإنسان للبلوغ إلى غايات فردية واجتماعية لأن قمع الجسد وتعذيبه بالصوم غير جائز لأنه أمر سلبي ما لم يهدف إلى غاية تبرّره.
ونحن نعلم أن هناك مَن يصوم صوماً اختيارياً، ولكن في هذا المجال عليه أن يعرف لماذا يصوم وما هي غايته ومن أجل مَن يصوم، فإن كان لأمور دنيوية وتقليدية فذلك شأن آخر. فإلى ماذا يهدف الصوم؟
في الصوم يهدف الإنسان إلى أهداف كثيرة، فقلّة يستغنون عن بعض أنواع الأطعمة أو المشروبات في سبيل الصحة والتفكير أو الوقاية من مرض أو العلاج تجنّباً لاستفحال أمراض أخرى. وهناك مَن يتبع طريقة قاسية في الصوم في سبيل تخفيف الوزن واكتساب المزيد من الرشاقة والتناسق ليتيح لهم القيام ببعض التمارين الخاصة بهم، وهذه جميعها أهداف لا ترمي إلا إلى بلوغ غايات بشرية لا تتعدى الصعيد الإنساني والحب الأرضي.
وكلنا نعلم أن الإنسان لم يُخلَق للأرض فقط أو لأعمال بشرية وأهداف دنيوية محضة بل تتعدى ذلك إذ لا تنحصر بالزمان.
فالإنسان خُلق للخلود مهما كانت الفلسفة البشرية ومهما قالت، لذا عليه أن يجد هذا الخلود بكل طاقاته وأن يعمل على أن يسيّر الجسد حسب ما تقتضيه النفس وأن يسيرا معاً للمجد وللوحدة إلى الله.
وأحد أهداف الصوم عند المسيحيين هو أن يكون العامل المساعد للنفس والجسد لكي يصبح الإنسان متجهاً بذاته كاملة نحو غايته القصوى. فالجسد أحياناً يجمح إلى الانسياق وراء المغريات والأهواء المنحرفة فيستيقظ العقل ليعيد الجسد إلى واجبه، وهكذا يتجلى الصوم الذي يعطي الأولوية للروح للمبادرات الحسنة إذ هو المسؤول الأول عن مسيرة الإنسان وتحقيق نجاحها.
وطقوسنا الشرقية تقرن الصوم بالصلاة والتوبة والأمانة للبلوغ إلى غايات سامية. وهناك عبارة نردّدها في الصوم فنقول "بالصوم والصلاة والتوبة نُرضي المسيح وأباه وروحه". لذلك بالصوم يجب أن تكون نفسنا مزدانة وقلبنا صافياً وعقلنا مسيطراً على النظام وأنظارنا منصبّة على القراءة الجميلة والمفيدة.
بالإضافة إلى أن الصوم يرمي إلى اشتراك الإنسان في صليب المسيح لكي يُدخله ضمن تصميم الفداء، فيرى الإنسان في صومه وإماتته استمراراً لآلام المسيح واشتراكاً معه في خلاص البشر، إذ كما يقول مار بولس:"أتمّم في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (قولوسي24:1).
وهكذا يدخلنا الصوم إلى سر المسيح الخلاصي ويكون وسيلة لاكتساب المزيد من الوعي المسيحي الذي يجعلنا أن نفهم أن لكل شيء في حياتنا معنى وطابعاً خلاصياً، وإن جهودنا وآلامنا ليست باطلة بل هي وسيلة تقرّبنا من المسيح لكي نحقق معه خلاصنا وخلاص إخوتنا. فالصوم المادي لن يجدي نفعاً ما لم يُنعشه الدافع الروحي. فما الفائدة أن أمتنع عن تناول قطعة لحم يوم الصوم وأنا أنهش لحم إخوتي يوم الصوم بكلامي وتصرفاتي المؤذية.
والصوم انفتاح على الأخوّة، وتولي الكنيسة هذه الناحية أهمية كبرى، إنه الوجه المشرق الجذاب من الصوم، والمسيح تكلم عن الصدقة أولاً ثم عن الصلاة والصوم (متى 1:6-18) وهي تشرف على علاقة الإنسان بالله أبيه وبالإنسان أخيه.
فإن النبي اشعيا ينحي باللائمة على المتظاهرين بالتقوى والعبادة ويدعوهم إلى البرّ الحقيقي فيقول:"اغتسلوا وتطهروا وأزيلوا شرّ أعمالكم من أمام عيني وكفّوا عن الإساءة. تعلّموا الإحسان والتمسوا الإنصاف وأغيثوا المظلوم وانصفوا اليتيم وحاموا عن الأرملة" (اشعيا 16:1-17) وفي موضع آخر يعطي النبي المعنى الحقيقي للصوم إذ يقول:"أليس الصوم الذي فضلته هو هذا: حلّ قيود الشر، وفكّ ربط النير. أليس هو أن تكسر للجائع خبزك وأن تدخل البائسين المطرودين بيتك. وإذا رأيت العريان أن تكسوه وأن لا تتوارى عن لحمك" (اشعيا 6:58-7).
فأهداف الصوم أن يشعر الإنسان الصائم بجوع الآخرين خاصة ونحن منفتحين على الآخرين بسبب المحبة الصادقة. وقد عاشت الجماعة المسيحية حياة مشتركة وكانوا يبيعون أملاكهم ومقتنياتهم ويوزعون أثمانها على الجميع بحسب حاجة كل واحد منهم (أع 44:2-45).
فالاشتراكية الحقة هي الانفتاح على الآخرين والانتباه إلى وجودهم ومساعدتهم بشتى الطرق. ولا يجوز استغلال الفقراء بدافع الجشع وحب السيطرة. فالمسيحية عطاء سخي وليست انغلاقاً أو احتكاراً يعود بالنفع على فئة دون أخرى. إن الانفتاح على فئة دون أخرى هو مهين لكرامته الإنسانية... ومبروك الصيام لكم جميعاً.