

الموت هو النهاية. ففي أيوب يتكلم عن مصيرِ الإنسان ونهايتِهِ، ولهذا يبقى الموتُ لغزاً. فعندما يموت الناس نعرف جيداً قصةَ حياتِهِم. وعندما نموت، نَعْبُر إلى الله، وإلى الحياة مع الله. فموتُ الإنسان يهزُّ الحياة، وكل موت يجعلُنا أنْ نغضبَ أمامَهُ، ولا تبقى إلا الشجاعة التي تضعنا في مجابهةِ الحياة وإنْ كانت صامتة.
فغايتُنا بعد الموت أنْ نُقيمَ مع الربّ، وسنتحرك على أساس أعمال الرحمة والحنان. ومار بولس يشدِّدُ في ذلك على الإيمان، بينما مار يعقوب يشدِّدُ على الأعمال، والمسيح يجمعُ بين الاثنين، فمتّى الإنجيلي يقول:"هذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك" (متى23:23) وكل رفض غير مقبول للقريب هو رفضٌ للمسيح. فالعَلاقة الأخوية لا تعفي من العَلاقة البنوية.
فَبُعدُ المحبةِ كبيرٌ جداً، إذ يقول متّى الإنجيلي:"أَحبِبْ قريبَكَ" وهذه لا تُبْطِلُ الوصيةَ الأولى والعظمى "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ" (متى39:22 و37). فالله هو المحبة، ولهذه المحبة وجهان: محبةُ الله، ومحبةُ الله في القريب، إذ "بِهاتَينِ الوَصِيَّتَينِ تَرتَبِطُ الشَّريعَةُ كُلُّها والأَنِبياء" (متى40:22).
فالممارسة الدينية هي وجهُ المحبة الأول، فإنها تقرّبُ مِنَ الله في ذاتِهِ. وأعمالُ الرحمة هي وجهُ المحبة الثاني، فهي تقرّبُ مِنَ الله في القريب. فالمحبة واحدة، ولا تكتمل إلا بوجهَيْها. فَمَن اقتبلَ الدعوة والمحبة، قَبِلَ الطاعة لله، وأضحى رسولاً وشاهداً بتقديم حياتِهِ في سبيل خدمةِ الكلمة وشعبِهِ. فمصير الإنسان وأيامُهُ قصيرة، وهذا يذكّرنا بوضعِنا البشري. فما الحياة إلا بَرَكَةٌ من الله ونعمة، لذا يدعونا بولس الرسول إلى أنْ نشدّد على الإيمان، ومار يعقوب على أعمال الرحمة كتعبير عن المحبة، وهذا ما يدعونا إلى أنْ نتحسَّسَ حاجات الناس. فالقديسة ترازيا تقول:"في غَسَقِ الحياة سَنُدان على المحبة".
فبالمسيح كلُّ حياتِنا من الولادة إلى الممات، والمسيح يشاركنا الحياة في الإنسان الغني والفقير، ويتضامن معنا. لذلك يقدّمُ لنا الإنجيل مَثَلَ الوزنات، وإنجيل الجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والسجين، فما فعلتُهُ للغير وما لم أفعله، إذ أنَّ كلَّ بابٍ يُقفَل في وجهِ القريب، هو بابٌ يُقفَلْ في وجهِ المسيح. فالدينونة توحِّد بين محبةِ القريب ومحبةِ الله، لأنَّ الخادِمَ الصالح هو المؤمن الحقيقي الذي يدعوه الله ليتاجِرَ بِوَزَنَاتِهِ، ويأتي بالجديد لتحقيق إنسانيَّتِهِ، فيمجّد الله وينتظر قدومَ سيّدِهِ.
فليس الغني هو مَنْ صارَ في الجحيم لأنّه غني، ولا الفقير صار في النعيم لأنه فقير، ولكنّ الغني صار إلى الهلاك لأنه في استغنائِهِ كان منغلقاً على ذاتِهِ في وجهِ القريب ووجهِ الله، والفقيرُ صار إلى الخلاص لأنه في احتياجِهِ إلى الغير كان منفتحاً على ذاته وعلى القريب وعلى الله، ففي ذلك يقول لوقا البشير:"الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء فقَد نِلتُم عَزاءَكُم" (لو24:6) ومتّى الإنجيلي يقول:"طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات" (متى3:5) فمصيبةُ الغني في الإنجيل أنَّه لم يرَ الفقير لعازر، فلم يرَ الله "كنتُ جائعاً ولم تُطعمني". لم يرَ على الأرض فهو لن يراه في السماء، وفي ذلك يكون البكاء وصريف الأسنان.
وربما يقول الناس أنَّ الدينَ معاملة، ولكن بإمكاني أنْ أقول: أنَّ الدينَ معامَلَةٌ نعم، ولكن المعاملة الحَسَنَة من متطلباتِ الدين، وهذا هو الصحيح. أمّا إنْ كان غير صحيح، فالمعاملة ليست كلّ الدين. فهناك الكثير مِمّن يتذرّعون باللومِ على كبار الزمن، ويجعلون من أنفسهم أنهم يرعون أنفسهم، فحزقيال يقول:"وَيلٌ لِرُعاةِ إِسْرائيلَ الَّذينَ يَرعَونَ أَنفُسَهم. أَلَيسَ على الرُّعاةِ أَن يَرعَوا الخِراف؟... الضِّعافُ لم تُقَوُّوها والمَريضةُ لم تُداوُوها والمَكْسورَةُ لم تَجبُروها والشَّارِدَةُ لم تردُّوها والضَّالَةُ لم تَبحَثوا عنها، وإِنَّما تَسَلَّطتُم علَيها بِقَسوَةٍ وقَهْر. فأَصبَحَت مُشتتَةً مِن غَيرِ راعٍ" (حزقيال 2:34-5).
وبمناسبة ذكرى الموتى، وبعدما نطلقُ رحمةً لأجلِ الذين انتقلوا إلى مدينةِ الأحياء، نقول: أنه يجب حفظ قانوننا لكي يوفر لنا الأمنَ والطمأنينة، وليس لفئة الكبار فقط ولفئة ضئيلة من الناس، وهذا يكون قانون مجحف وغير عادل وربما فاسد. ولنجعل ثروات الأرض لجميعِ سكان البلاد وليس لفئة قليلة من البشر، فخيرات البلد مُلْكٌ للشعب بأكملِهِ، وما يجعلني أحتقر ثروات الأرض حينما أرى كبار الزمن يستولون بغيرِ حقٍّ على ثرواتِ الدنيا ويسجّلونها بأسمائهم، وهذا هو دافعي وغيرتي على هذا الإنسان البريء، وهذا لا يزيدني إلا شقاءً وبؤساً.
فليرحم الربّ أولئك الذين علّمونا في حياتهم أنْ نسيرَ في هذه الحياة مع المسيح لنوصِلَهُ إلى الجميع وإلى العطاشى والجائعين و.. و.. فالله لا يطالبنا بإنجازاتٍ ضخمة بل بأمانة في استخدام ما أُعطينا مهما كان قليلاً، وكل شخص مسؤول عن مواهبه. فالمسيح سيدٌ متواضع، يخدُمُ عبيدَهُ الأُمناء وحاملي وَزَنَاتِهِ، ومعْ أنّه السيد لكنه يأخذ دور الخادم وهذا ما يعكس دورُهُ.
فلنكن وجه المسيح على هذه البسيطة. فحينما نساعد كأننا نساعد المسيح الفقير، وهذه رسالتنا على هذه الأرض. فليرحم الرب جميع موتانا... آمين يا رب.