
مصدر الصورة: www.mozaweb.com
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
في مطلع كل عام، تتكرّر الطقوس ذاتها: وعود شخصية، أمنيات معلّقة، وتعهدات بالتغيير. يبدو المشهد، للوهلة الأولى، نتاجًا خالصًا لثقافة حديثة تبحث عن بداية نظيفة مع تقويم جديد. غير أن التاريخ، كعادته، يبتسم ساخرًا من هذا الاعتقاد.
فوفق دراسات حديثة في التاريخ القديم، فإن عادة إطلاق الأمنيات مع بداية السنة ليست بدعة معاصرة، بل تعود بجذورها إلى واحدة من أقدم حضارات العالم: بابل.
توضح البروفيسورة كانديدا موس، المتخصصة في التاريخ القديم والمسيحية المبكرة في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، في تصريحات نقلتها مجلة ناشيونال جيوغرافيك، أن فكرة التمنّي والتعهّد مع بداية عام جديد تعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام. وتشير إلى أن البابليين كانوا من أوائل الشعوب التي ربطت بداية السنة بطقوس رمزية تعبّر عن الأمل والتجدد.
لم تكن السنة الجديدة لدى البابليين تبدأ في الشتاء، كما هو الحال اليوم، بل في الربيع، موسم الحصاد والوفرة. وكان الأول من نيسان يشكّل نقطة التحوّل السنوية، حيث تُقام احتفالات دينية تُقدَّم خلالها التمنّيات والتعهّدات، سواء من الأفراد أو من السلطة الحاكمة نفسها.
وتروي المصادر التاريخية أن أحد ملوك بابل خرج ذات عام أمام شعبه ليعلن تمنّياً وتعهدًا علنيًا بأن يكون حاكمًا صالحًا، يلتزم بخدمة رعيته وتحقيق العدالة. لم يكن ذلك مجرّد خطاب احتفالي، بل جزءًا من طقس سياسي–ديني يعكس تصور البابليين للعلاقة بين الزمن، والسلطة، والأخلاق.
ومع توسّع الإمبراطوريات وانتقال الأفكار بين الحضارات، وجدت هذه العادات طريقها إلى العالم الروماني، حيث أُعيد تنظيم التقويم واعتماد الأول من كانون الثاني موعدًا رسميًا لبداية السنة الجديدة. ومن هناك، استمرّت طقوس التمنّي والتجدد، متحوّلة في شكلها، لكنها ثابتة في جوهرها، حتى يومنا هذا.
هكذا، حين يدوّن الناس اليوم أمنياتهم للعام الجديد، أو يتعهدون بحياة أكثر صحة وانضباطًا، فإنهم — من دون أن يشعروا — يشاركون في تقليد إنساني ضارب في عمق التاريخ، بدأ على ضفاف دجلة والفرات، قبل أن يعبر القرون والحضارات، ليصل إلى العالم الحديث بثوب جديد وروح قديمة.