لوح أكدي أثري يعود إلى 4000 عام يُهدى إلى معهد "ماتناداران" في أرمينيا      العيادة المتنقلة التابعة للمجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري تقوم بزيارة الى قرية (قرولا)       رئيس ممثلية حكومة إقليم كوردستان في بغداد يزور غبطة البطريرك نونا      تزايد المخاوف على الحضور المسيحيّ التاريخيّ في صور اللبنانيّة      برلمان نيوساوث ويلز يضغط على كانبيرا للاعتراف بالإبادات الجماعية للأرمن والآشوريين واليونانيين      قداسة البطريرك أفرام الثاني يفتتح لقاءً بعنوان: "لقاء السلم الأهلي: مسؤولية مشتركة"      غبطة البطريرك يونان يحتفل بالقداس في نهاية العام الدراسي 2025-2026 لطلاب مدرسة دير الشرفة      رمزيّة روحيّة وحضاريّة في الشعار الشخصيّ للبطريرك الكلدانيّ الجديد      لجنة التعليم المسيحي لمركزي الحسكة وتل تمر تنظّم رحلةً ترفيهية وروحية لأطفال التعليم المسيحي في دير السيدة العذراء      الشباب المسيحي في الأرض المقدسة وتوقه إلى السلام      طبيبة تحذر: الجعة في الطقس الحار قد ترفع خطر الجلطة وضربة الشمس      أنثروبيك توقف نموذجين للذكاء الاصطناعي امتثالاً لأمر أمريكي بدواعي الأمن القومي      البابا: الغفران والمصالحة هما الطريق لسلام دائم      المونيتور: توم باراك سيزور أربيل وبغداد      العراق يؤكد الاستعداد للتعاون لكشف منفذي هجمات على دول خليجية      كندا تتعادل مع البوسنة وتحصد أول نقطة في تاريخها بكأس العالم      ابتداءً من تموز يوليو 2026.. تغييرات مالية ضخمة في أستراليا تشمل مدفوعات السنترلينك والضرائب والأجور والتقاعد      تفاصيل مقتل زعيم "أكثر المنظمات الإرهابية دموية على وجه الأرض"      تقرير: ترمب أوقف عملية عسكرية للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني      عنكبوت متوهج وجدجد مدرّع.. اكتشاف كائنات غريبة في مرتفعات أنغولا النائية
| مشاهدات : 1542 | مشاركات: 0 | 2011-08-07 16:58:15 |

مجازر آب 1933 والبحث عن المنطقة الآمنة بين الامس واليوم

نشوان جورج


المقدمة

عاش ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري الكثير من الترحال والتهجير والقتل والخطف والغدر والتعذيب منذ اقدم العصور وهذه الاحداث التي مر بها جعلته منهكا مبعثرا ممزقا لا حول له ولا قوة، واسباب ذلك كثيرة منها دينية واخرى قومية واقتصادية بالاضافة الى الحروب التي دارت في مناطق تواجده، واحيانا اخرى كان هو السبب في دمار ذاته.

كي نفهم اليوم الاحداث التي تعرض لها ابناء شعبنا في العام 1933 وبالخصوص تلك المجازر التي حدثت في شهر آب علينا ان نعود قليلا قبل هذا التاريخ والى عقدين من الزمن كي نتعرف الى احوال ابناء شعبنا خاصة وان حربا كونية حدثت في مناطقه وزج به في صراع عالمي لم يخرج بنتيجة منه سوى الهلاك والدمار.

لطالما سعى ابناء شعبنا ليكون لهم وطنا خاصا يعيشون فيه برفاه وأمان إلا ان هذا المطلب اصبح هما عليه وهو ليس إلا حقا من حقوقه ولا نغفل بأن حلفائه دائما يعدونه ويغدرون به، وربما مجزرة سميل هي واحدة من نتائج الخيانة التي تعرض لها ابناء شعبنا من حلفائه لا بل هي واحدة من الكثير من المجازر التي تعرض لها على مر التاريخ خاصة تلك التي حدثت إبان الحرب العالمية الاولى على يد الامبراطورية العثمانية كما اننا اليوم نشهد مجازر لا تقل شأنا عن سابقاتها وربما هي امتداد لتلك.

 

الاحداث ما قبل سميل

ليس بخافي علينا الاحوال والاحداث التي لحقت بابناء شعبنا في العقود الاولى من القرن الماضي وخاصة إبان الحرب العالمية الاولى وكيف تسببت بقتل وتشريد الآلآف من ابناء شعبنا الكلداني السرياني الاشوري والارمن.

ففي منطقة هكاري الجبلية جنوب تركيا الحالية كان يعيش الكثير من ابناء شعبنا الذين اصبحوا في وسط القوات المتصارعة في الحرب العالمية الاولى واصبحوا هدفا للقوات العثمانية التي اتهمتهم بالخيانة للدولة التي ينتمون اليها مما تسبب ذلك في هجرتهم وترك بيوتهم وقراهم والالتحاق بالقوات الروسية التي كانت قريبة اليهم في الحدود الايرانية فبعد الاتفاق معهم ابتدأت الهجرة الى اورمية للتخلص من الظلم والاجحاف الذي اصابهم من قبل القوات العثمانية التي كانت تظطهدهم في قراهم وبيوتهم وتنزل بهم اقسى العذابات.

وبعد الوصول الى اورمي علق ابناء شعبنا الذين كان اغلبهم من الاشوريين والارمن من سكنة منطقة هكاري الكثير من الامال على الوعود التي اعطاها الروس وحلفائهم لتحريرهم وإعادتهم الى مناطقهم ومنحهم الاستقلال فيها، بعد ان اصبح انتصار الحلفاء مؤكدا في تلك الحرب.

إلا أن شيئا حدث لم يكن في الحسبان حيث في مستهل العام 1917 انهارت الجبهة الروسية بقيام الثورة البلشفية فخلع القيصر وصدرت الاوامر الى الجيش الروسي الموجود في شمال ايران وشرقي تركيا بالانسحاب فورا فأصبح موقف ابناء شعبنا حرجا وخطرا جدا إذ اصبحوا محاصرين من جميع الجهات بعد انسحاب الروس.

لم يختلف حال من كان داخل الاراضي التركية من ابناء شعبنا عن حال اخوانهم في الجبال فقبل ان تبدأ الاستهدافات ضد ابناء شعبنا في الجبال كانت قد طالت المجازر من هم في المدن والقرى الاخرى وحصدت الآلآف من الارمن والسريان في ماردين ودياربكر وطور عبدين والكلدان في سعرت وغيرها من مناطق التي كانت تحت النفوذ العثماني.

وكان ابشع تلك المجازر التي حدثت في حزيران من العام 1915 في مناطق ديار بكر وطور عبدين والجزيرة ونصيبين وسعرت وغيرها من المناطق التي كان يتواجد فيها ابناء شعبنا فبعد ان كان الجنود العثمانيين يزجونهم في السجون بعد الاهانات والتنكيل والضرب كانوا يأخذونهم الى مناطق خارج المدن وهناك يقتلونهم ذبحا بالسيوف وقتلا بالرصاص  ويحكي كتاب (القصارى في نكبات النصارى بقلم شاهد عيان) ان في ليلة من ليالي حزيران اقتاد الجنود اربعمئة وسبعة عشر شخصا اقتيدوا الى خارج المدينة مقيدين بأغلال الحديد والحبال الضخمة والزناجير بينهم مطارنة وكهنة ورهبان وشيوخ وشبان من الارمن والسريان والكلدان والبروتستنت فقام الجنود بتعذيبهم وتعريتهم وذبحهم وكانت التهمة الملفقة اليهم الخيانة للدولة، كما كان ايمانهم المسيحي حجة لهم.

وفي سعرت التي كان فيها اكثر من اثني عشر الف من الكلدان والارمن والسريان الكاثوليك والارثوذكس وبعد اسابيع من بداية الحرب (كما يذكر المصدر السابق) طردت القوات التركية ارسالية الآباء الدومنيكان والراهبات واجبرتهم على العودة الى بلدانهم، وفي اواسط حزيران من العام 1915 دخلوا الى بيوت ابناء شعبنا ونكلوا بهم وقتلوهم وساقوا الوجهاء والكهنة وزجوا بهم في اعماق السجون وهناك انزلوا بهم اقسى العذابات بينهم خمسة كهنة للأرمن ومن ثم هجموا على القس ابراهيم رئيس السريان وقطعوا رأسه وبعد ذلك استاقوا الاب جبرائيل كبو الكلداني الى السجن وما ان وصل اليها حتى عروه وتناوبوا في ضربه وتعذيبه وبعد ذلك قطعوا رأسه ودحرجوه الى اعماق خندق قريب وبعد اربعة ايام من حبس الباقين ساقوهم جميعا الى وادي زرياب شمالي سعرد وهناك فتكوا بهم وقتلوهم.

اما الاشوريون الذين استقروا في ايران فلم يستقر الحال بهم كما أرادوا إلا لفترة قصيرة خاصة بعد ان استشهد البطريرك شمعون بنيامين الذي كان يعتبر قائدهم الروحي والزمني في تلك الفترة وكانت ايران تنتظر الفرصة الملائمة للأيقاع بهم وبعد حروب ومعارك عديدة انتصر فيها الارمن والاشوريون على القوات الايرانية والتركية بدأت اعتدتهم تنفذ ولم يلقوا الامدادات والدعم من حلفائهم فراحت هجمات الترك والايرانيين تستهدفهم من كل صوب وتفتك بهم مما تسببت في هجرتهم من جديد فخرجوا من اورمي ومعهم ذووهم ومقتناهم وماشيتهم وكان الصيف اللاهب نقمة اخرى انصبت عليهم.

وصل هذا الرتل الى منطقة همدان واتصلوا بالقوات البريطانية بعد ان قاسوا الأمرين في هجرتهم وفقدوا من الارواح ثلث مجموعهم الكلي. وبعد وصولهم الى اراضي الاحتلال البريطاني واجهتهم مشكلة اخرى فشمال ايران كان على شفا مجاعة فقام البريطانيون بترحيلهم الى معسكر في منطقة بعقوبة الذي وصلوا اليه وهم في حالة يرثى لها وضم المعسكر (48927) نفسا من الارمن والاشوريين واحصي مجموع الاشوريين هناك بـ (24579) ومجموع الارمن بـ (14612).


قيام المملكة العراقية واحوال شعبنا

حكمت بريطانيا العراق حكما مباشرا منذ احتلالها له إثر نشوب الحرب العالمية الاولى حتى عام 1920 حيث انتهت الادارة العسكرية البريطانية بقيام حكومة عراقية مؤقتة مهدت لتتويج الملك فيصل ملكا على العراق في 23 آب 1921 وقيام المملكة العراقية.

وكانت الحدود قد رسمت بين العراق وتركيا بعد ان اقترحه برانتنك البلجيكي في عام 1921 وطابق هذا الخط الحدود بين الولايتين القديمتين الموصل وهكاري والذي سمي فيما بعد بخط بروكسل واصبح حدودا دولية بين العراق وتركيا.

اما ابناء شعبنا الذين مكثوا في معسكر بعقوبة فبعد ان رسمت الحدود الدولية بين العراق وتركيا والحق القسم الاعظم من قراهم واراضيهم بتركيا تلاشت آمالهم في رجوعهم اليها خاصة بعد ان رفضت تركيا قبولهم حيث لم يشملهم العفو العام التركي ولم يسمح لهم بالدخول الى تركيا، ولم يعد في طوق بريطانيا تنفيذ وعودها لهم وتحقيق ما يصبون اليه من آمال وأهداف فقد صار عليها ان تجد حلا حاسما دائما ينهي حالة التشرد والمعاناة التي يعيشونها ويضمن لهم استقرارهم ويؤمن لهم مستقبلا آمنا وينهي مسؤوليتهم تجاههم.

حاولت بريطانيا الضغط على الحكومة العراقية لتأمين مواضع السكن لأبناء شعبنا داخل الاراضي العراقية وفعلا تم اخلاء معسكر بعقوبة وتم توطين من كانوا فيه وخلال الفترة الممتدة من عام 1925 حتى عام 1929 تم توزيع العوائل في السهول الواقعة على مقربة من اقضية دهوك والعمادية وعقرة والشيخان في لواء الموصل ومنطقة حرير في لواء اربيل ومناطق برواري بالا كما انتشرت فئات منهم داخل المدن فسكنت على سبيل المثال حوالي 200 عائلة في العاصمة بغداد.

لم يلقى هذا الاسكان الرضى عند بعض من ابناء شعبنا الآشوري في حين رأى البعض الآخر منهم بأنه الفرصة الاخيرة لمنحهم مناطق يسكنون فيها وكان يقود هذا المطلب ملك خوشابا رئيس عشيرة تياري السفلى، والمجموعة المعارضة كان يقودها البطريرك شمعون ايشاي وعمته سورمة خانم اللذين كانا يريدان اعترافا بسلطة زمنية للمارشمعون من قبل الحكومة العراقية، فلم يتعاون المارشمعون واتباعه مع لجنة الاسكان التي شكلتها الحكومة العراقية، ورفض المارشمعون حضور جلساتها بعد ان رفضت الحكومة العراقية منحه السلطة الزمنية، بينما وافق الملك خوشابا واتباعه على مشروع اسكان الآشوريين لأن حاجتهم الاساسية في ذلك الوقت كانت الاسكان وليس شيئا آخر وعليه تم تشكيل لجنة من الذين قبلوا مشروع الاسكان برئاسة ملك خوشابا وتعاونوا مع المستر تومسن خبير الاسكان المعين من قبل عصبة الامم وهو انكليزي الاصل.

وإن عدنا الى احوال الكلدان والسريان إبان المملكة العراقية سنرى بانه لم يكن اوفر حظا من زمن الولاية العثمانية حيث كان لهم امتيازات اكثر من قبل السلاطين والولاة العثمانيين إلا ان الحكومة العراقية الغت هذه الامتيازات تديجيا ومن بين الامور المهمة التي يجدر بنا ذكرها هي المدارس المسيحية حيث كان ابناء شعبنا آنذاك الشعب الوحيد الذي يملك مدارس متقدمة مزدهرة ويقوم على ادارتها رجال دين ممن كانت لهم إلمامات جيدة في العلوم والمعارف ومن هذه المدارس مدرسة الاباء الدومنيكان حيث كانت تضم آنذاك اكثر من خمسمئة تلميذ ومدرسة شمعون الصفا الكلدانية ومدرسة الطهرا السريانية وغيرها الكثير من المدارس التابعة للكلدان والسريان ومدارس السريان الارثوذكس للبنين والبنات في المدن، حيث كانت جميعها في ازدهار وتقدم مستمرين واشتهرت بالسمعة الحميدة.

بعد قيام الحكومة العراقية سعت دائرة التربية على اكتساب ملكية هذه المدارس جميعا. ورغم الاحتجاجات فان وزارة التعليم لم تعير اي اهتمام وتصرفت كما لو انها سيدة المدارس المطلقة، ولم تستشير احدا بالتغييرات التي قدمتها في مناهج التعليم، واعتبرت الكهنة الذين كانوا مدراء ومعلمين مجرد موظفين، فطردت البعض ونقلت البعض الاخر ووفقا لخطة مدروسة فان الوزارة ابعدت رويدا رويدا ادارتها منهم فمدير مدرسة شمعون الصفا مثلا الاب (ج نامو) الذي ادارها لمدة 25 عاما تقريبا قد ابعد عن ادارتها ووضع بدله رجل من كركوك يدعى شكري افندي وانتقلت ادارة مدرسة طهرا من الاب (رحماني) المجاز في الفلسفة ودكتوراه في اللاهوت من جامعة بيروت الى (جميل افندي) احد تلامذة اللاهوت السابقين غير المجازين وانزلت مرتبت الاب (ج انديلا) مدير مدرسة مار توما في الموصل الى درجة معلم شفهي بعد ان ادار المدرسة لمدة 25 عاما وتم تعيين احد المعلمين على اللغة التركية وهكذا دواليك استمر الحال الى ان اصبحت المدارس جميعا بيد الحكومة واستبدلت المناهج بما يلائم تلك الفترة وخفضت ساعات تعليم الديانة لبضع دروس.


مجازر آب 1933

بعد ان اصر البطريرك مار شمعون بمقاطعة لجنة الاسكان شرع عدد من ابتاعه في ربيع العام 1933 بجولة دعاية خلال القرى لمساندة سياسة البطريرك وكانت الحملة في قرى قضاء دهوك ووادي صبنة وكانوا يتجولون في تلك المناطق حاملين اسلحتهم معهم مما جعلهم مصدر قلق للحكومة لا بل اصبحوا مصدر قلق لأخوانهم الاشوريين انفسهم خاصة اولئك الذين يؤيدون مشروع الاسكان فراحوا يستنكرون اعمال الموالين للبطريرك.

حاولت الحكومة العراقية آنذاك اقناع البطريرك والجماعة الموالية له كي يوافق على مشروع الاسكان لانها كانت قد اتخذت قرارها الحاسم سواء فيما يتعلق بمركز مار شمعون او بمشروع الاسكان ومن التدابير التي اتخذتها الحكومة انها اجتمعت بعدد من الزعماء الموالين للبطريرك ودعتهم الى اقناعه بقرارها الذي لا رجعة فيه وأرادت ان توصل رسالة الى البطريرك بأن هذه السياسة سوف تطبق حتما سواء أكان مار شمعون في بغداد او في الموصل او في مكان آخر.

وفي خضم هذه الاحداث قام عدد من الموالين للمار شمعون بالعبور الى سوريا للقاء الفرنسيين هناك وإقناعهم على قبول الاشوريين ضمن اراضي الانتداب الفرنسي بسوريا إلا ان الفرنسيون رفضوا ذلك ولم يوافقوا على طلبهم فأجبروا على العودة الى العراق وقبل ذلك كانت السلطات العراقية قد اتخذت قرارا بعدم السماح لهم للعودة الى الاراضي العراقية وكانت قد حشدت قوات من الجيش العراقي في منطقة فيشخابور الحدودية وديربون.

اشتبكت القوات العراقية مع العائدين من ابناء شعبنا ودارت بينهم معارك انتهت بالفشل بالنسبة لابناء شعبنا رغم شجاعتهم وقتالهم الشرس لكن التكافوء في المعدات والاسلحة لم يكن متساويا مما اضطر عدد منهم بالعودة الى سوريا مجددا وقام الجيش بجمع الباقين في اطراف الديربون واعدمتهم رميا بالرصاص وهناك عدد آخر هرب الى الجبال حيث لم يكن له الرغبة في القتال بل كانت تستحوذ عليهم فكرة العودة الى قراهم وأسرهم بأسرع وقت. وحاولت القوات العراقية ملاحقتهم والامساك بهم وكانت كلما وجدت مجاميع منهم تمسكهم وتعدمهم رميا بالرصاص، واتضح من ذلك ان الجيش يريد ابادة الاشوريين بقدر الامكان وفي قرى مختلفة وجدت الادارة تتعاون مع السلطة العسكرية في سياسة المجازر وبدت العملية وكأنها احكام عرفية حيث ضباط الاستخبارات لم يكلفوا انفسهم حتى باجراء تحقيق مع الآشوريين المقبوض عليهم حيث كانوا يقتلون رميا بالرصاص حال الامساك بهم.

في منطقة دهوك كان يحمل الآشوريون في لوريات فتأخذهم الى مسافة غير بعيدة عن قراهم، ويؤمرون بالخروج ليحصدوا حصدا بصليات الرشاش، نشر الارهاب جناحه على القرى لعدة ايام وترك عدد كبير من الاسر دون ابناء او اباء وفي بعض الحالات كانت الجثث تطرح في البراح ولا تدفن لكن سوء الحال مهما بلغ فانه لا يقاس بما كان ينتظر (سميل)                 .

 

ماذا حدث في سميل

تقع سميل على الطريق الرئيسة الى زاخو وتبعد عن دهوك بمسافة ثمانية اميال تقريبا وهي تابعة لأدارة هذا القضاء واكبر القرى المجاورة آنذاك وقد كان يصل مجموع سكانها الكلي سبعمائة معظمهم آشوريون من قبيلة الباز وقليل من تياري العليا والديز.

في الثامن من آب ظهر قائمقام زاخو في القرية مع شاحنة مملوءة جنودا، دخل القرية وطلب من ابناء شعبنا تسليم سلاحهم قائلا انه يخشى ان ينشب قتال في المنطقة وقد يحتمل ان يشارك فيه اهالي سميل في حالة وجود السلاح عندهم. واكد لهم بكلام ظاهره الصدق وباطنه الكذب، بأنهم سيكونون في مأمن بحماية العلم العراقي الذي كان يخفق فوق مخفر الشرطة. في اليوم التالي اقبل المزيد من الجنود ولم يكن القائمقام معهم هذه المرة وقاموا بنزع سلاح الذين جاؤا من القرى المجاورة خلال تلك الفترة.          

اصبحوا اهالي سميل والقرى المحيطة بهم عرضة للسلب والنهب، وايقنوا في ذلك اليوم انهم وقعوا في فخ استدرجوا اليه. بينما كانوا يحتمون في مخفر الشرطة في سميل امر عريف الشرطة اولئك الاشوريين الذين جاؤا من القرى المجاورة بالعودة الى بيوتهم وعندما رفضوا محتجين بقولهم انهم لا يأمنون على انفسهم، أمرهم بمغادرة مخفر الشرطة والنزول الى بيوت القرية فأطاعوا بعد تردد. وفيما كانوا ينحدرون الى البيوت لاحت لهم فجأة شاحنات عسكرية ومصفحات وهي تدنو من القرية وفجأة فتح الجنود النار عليهم دون سابق انذار، فسقط كثيرون وبينهم نسوة واطفال وفر الباقون الى البيوت ليستتروا ولم يبق احد في الدروب والازقة. نصب الجنود رشاشاتهم خارج نوافذ البيوت التي لجأ اليها ابناء شعبنا موجهة الى التاعسين الذين سمرهم الرعب في الغرف الغاصة بهم، وفتحوا النار عليهم الى ان سقطوا كلهم وسط المجزرة ولم يبق منهم واقف على رجليه وفي بعض الحالات اتخذ تعطش الجنود للدم طابعا حماسيا نوعا ما فكانوا يجرون الرجال جرا الى الخارج ويطلق عليهم النار او تخمد انفاسهم ضربا وركلا لتقذف بجثثهم الى اكداس الموتى. في صباح اليوم التالي عاد الجنود لدفن القتلى، حيث جمعت الجثث وألقيت في اخدود قليل العمق اكداسا اكداسا.

كانت هذه المجزرة والحق يقال جريمة نكراء وبالقدر الاسود والقسوة العمياء اللتين رافقتها ستبقى واحدة من اشنع الجرائم ووصمة عار على الحكومة العراقية آنذاك.


مجازر اليوم والمنطقة الآمنة (الحكم الذاتي)

يعيش عراقنا اليوم مرحلة جديدة من مراحل تاريخه فبعد فترة من الحكم الدكتاتوري الذي عمل على ان يحصر كل شيء في وعاء واحد، يعيش عراق اليوم وكانه في مخاض ينتظر ولادة جديدة. هذه الولادة دفعت بابناء شعبنا من جديد ليكونوا ضحية صراعات وجدالات عقيمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل ونراه من جديد مهاجرا ومتشردا ومظطهدا ومقتولا ومسلوب الحقوق وربما التاريخ يعيد نفسه خاصة وأنه يمر بنفس الاحداث التي مرّ بها آباؤه واجداده فأحداث اليوم لا تختلف كثيرا عن الاحداث التي ذكرناها في الصفحات السابقة ولا نريد ان نعيد على الاذهان الشهادات التي قدمها ابناء شعبنا اليوم لاننا نعيشها لحظة بلحظة وكأن التاريخ يكتب امامنا.

وليس من الحكمة ان نترك هذه التضحيات التي قدمها ابناء شعبنا على طول تاريخه المعاصر من ان تمر مرور الكرام دون ان نطالب بحقوقنا المشروعة خاصة وان عراق اليوم يمر بمرحلة انتقالية ويقدم لنا فرصة تاريخية بإعادة المطالبة بمنطقة آمنة لأبناء شعبنا فالدستور العراقي يعطينا الحق اليوم لذلك خاصة وانه دستور فيدرالي لا مركزي يسمح بإقامة اقاليم ونحن لنا كل مقومات إقامة اقليم من التاريخ والجغرافية واللغة.

ربما هناك من يرى في هذا المطلب مشكلة كبيرة ستدفع بأبناء شعبنا الى الانعزال عن مجتمعه وسيضعف من وجوده في جميع ارجاء البلاد إلا ان ذلك ناتج لعدم فهم الدستور العراقي الجديد الذي هو دستور فدرالي، والنظام الفدرالي هو واحد من انواع الانظمة العالمية ومفهومه يرتبط بمبدأ حق تقرير المصير للأمم والشعوب وله غايات عديدة منها صنع التعددية والمشاركة الفاعلة الحقيقية في الحياة السياسية بصورة ديمقراطية وعادلة بعيدا عن التفرد في الحكم وحكر السلطات بيد شخص او مجموعة تنتهك القانون وتهدر الحقوق. هذا النوع من النظام يسمح باقامة الأقاليم داخل الدولة في اي بلد متعدد القوميات، ويتبنى نظام الحكم الذاتي كما في سويسرا والمانيا والنمسا واستراليا وغيرها من الدول الكبرى.

إن المقصود بالحكم الذاتي الداخلي، هو نظام قانوني وسياسي، يرتكز على قواعد القانون الدستوري، وبتعبير آخر هو نظام لا مركزي، مبني على أساس الإعتراف لإقليم مميز داخل الدولة بالأستقلال في إدارة شؤونه، والهدف من الحكم الذاتي، هو حماية قومية او حماية جماعة عرقية معينة، تقطن في اقليم مميز تاريخيا وجغرافيا ضمن الدولة التي تمتاز مجتمعاتها بالتعدد العرقي والجغرافي، وبالتالي يرتبط مفهوم الحكم الذاتي بمبدأ القوميات ارتباطا هاما ووثيقا.

إذا عندما يطالب البعض بهذا الحق الذي يشمل ابناء شعبنا جملة وتفصيلا لا يعني باننا سننفصل عن العراق الموحد ولا يعني بأننا سنُعزل عن باقي القوميات والاديان بل على العكس سنكون في وسط مجتمعنا نورا مشعا وسنضمن حقوقنا في بلد لطالما نادينا بأنه بلد آبائنا واجدادنا وأننا سكانه الاصليون.  


سركيس آغا جان مهندس الحكم الذاتي

يصدق المثل القائل بأن لكل زمان رجاله، وأمتنا انجبت في كل زمان رجالا عظماء خلدهم التاريخ لوفائهم لابناء شعبهم وقيادتهم التي دافعوا خلالها عن ابناء شعبهم ومن اجل قضيتهم وحقوقهم، وكل هؤلاء القادة جمعتهم قضية واحدة وهدف واحد سعوا من اجله، إلا ان الظروف وغدر الزمان كانا حجر عثرة امام مسعى هؤلاء الرجال. ولكن حلقة الرجال العظماء لم تنتههِ ولازالت مستمرة فرغم عدم تحقيق المبغى إلا ان سلسلة القادة من اجل الهدف نفسه لم تنهِ هذا النضال، وبين قادة ابناء شعبنا اليوم الذي تجتمع في شخصيته، معظم الصفات والخصال التي تميز عظماء الرجال من الحكمة والذكاء والجرأة والشجاعة والحب العميق الذي لا تشوبه  شائبة لآبناء شعبه وامته هو سركيس آغاجان الذي لا يقل شأناً عن سابقيه من قادة هذه الامة بغيرته واهتمامه بشعبه، وهو يواصل ويكمل ما بدأه سابقيه بمطالبته بمنطقة الحكم الذاتي ليتنعم فيها ابناء شعبه بحقوقه كاملة. وقد طالب ذلك من كبار القادة الذين التقى بهم وزارهم وزاروه واستطاع بقوة نفوذه تثبيت هذا المطلب في دستور اقليم كوردستان ويعمل جاهدا من اجل تطبيقه ولذا يعتبر بحق مهندس الحكم الذاتي المطالب به.

ولم يتوقف عمل آغا جان بالمطالبة بحقوق ابناء شعبه بل قام بأعمار كل القرى التي هدمتها ايادي الغدر والخيانة على مدى العصور واعادها الى ساكنيها الاصليين من ابناء شعبنا المهاجرين والمهجرين الذين اضطهدوا في الوقت الحاضر من قبل المسلحين فكانت يده المنون العون والسند لالاف العوائل من ابناء شعبنا هذا بالاضافة الى الكثير من الاعمال التي انجزها لابناء شعبنا وهي معروفة للجميع وتشهد له.


الخاتمة

واليوم وإذ نحن نخلد ذكرى شهداء امتنا ونستنكر هذا الاعمال الاجرامية التي طالتهم بخطابات وبيانات واحتفالات تأبينية، علينا الوقوف عند الشهادة المقدمة متأملين بما هو مطلوب من جميعنا لنفي لهؤلاء الشهداء الذين اعطوا دمهم من اجلنا ولابد لنا من مراجعة لأنفسنا متسألين: هل نحن متحدون اليوم؟ ام ان الانقسام ينخر عظامنا؟ هل نعمل اليوم لمستقبل ابناء شعبنا؟ أم عملنا هو لأجل مصالحنا واجندتنا واحزابنا؟ إن لم تكن مصالح ابناء شعبنا امام اعيننا اليوم فالننتبه الى ان احداث سميل ستبقى مستمرة بصورة ابشع من سابقتها وما مر به ابناء شعبنا في السنوات السابقة من تهجير وقتل وتهديد خير دليل على ذلك. 

وكي نكون اوفياء لدماء سميل ولجميع شهداء ابناء شعبنا من سميل حتى يومنا لابد من توحيد خطابنا وبياناتنا في استنكار هذه الجريمة البشعة ولنكن صوتاً واحداً لنيل حقوق ابناء شعبنا بما يلائمه اليوم وخاصةً ان بلدنا يمر بتحولات سياسية يمكنها ان تخنق صوتنا وتمحو وجودنا من هذا الوطن فليكن شعارنا معاً نحو الوحدة وفاء لدماء شهدائنا.  

المصادر

جرجس فتح الله، نظرات في القومية العربية مدا وجزرا حتى العام 1970، الجزء الرابع، الطبعة الاولى، دار ئارس للنشر، عام 2004.

شاهد عيان، القصارى في نكبات النصارى، طبعة الاوفسيت لعام 1971.

يوسف ملك خوشابا، حقيقة الاحداث الآثورية المعاصرة، مطبعة الاديب البغدادية، عام 2001.

يوسف مالك،قصول من كتاب الخيانة البريطانية للاشوريين، ترجمة يونان ايليا يونان، دار سركون للنشر، السويد عام 2004.

البرت ميخايلوفج منتشاشفيلي، ترجمة د. محمد البندر، كفاح الآشوريين من اجل الحكم الذاتي 1920 – 1933، إصدارات دار المشرق الثقافية، دهوك 2008.

ميشايل شفالييه، ترجمة نافع توسا، المسيحيون في حكاري وكردستان الشمالية، منشورات مجلة الفكر المسيحي، بغداد 2010.

عبد المجيد حسيب القيسي، التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق، الدار العربية للموسوعات، بيروت عام 2004.

د. درويش يوسف هروري، بلاد هكاري، دراسة سياسية حضارية، الدار العربية للموسوعات، بيروت عام 2006 .        

 

     










h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6268 ثانية