
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
بعد أكثر من ألف عام على سكّها في القسطنطينية، ظهرت في جبال النرويج عملة ذهبية بيزنطية صغيرة تحمل صورة السيد المسيح، في اكتشاف يلقي الضوء على الروابط بعيدة المدى التي ربطت الإمبراطورية البيزنطية بالعالم الإسكندنافي.
عثر أحد كاشفي المعادن على العملة الذهبية في منطقة فيستري سليدرعام 2023، قبل أن يحدد علماء الآثار لاحقاً أنها من نوع “هيستامينون نوميسما” (Histamenon Nomisma)، وهي عملة ذهبية بيزنطية عالية القيمة يُرجح أنها سُكّت في القسطنطينية في وقت ما بين عامي 977 و1025.
ويُعد مستوى الحفاظ على العملة لافتاً للنظر. فعلى أحد وجهيها، يظهر المسيح حاملاً الأناجيل في إحدى يديه، فيما يرفع اليد الأخرى في إشارة إلى البركة. ويحيط بالصورة نقش باللغة اليونانية يقول: “يسوع المسيح، ملك الملوك”.
أما الوجه الآخر، فيحمل صورتي الإمبراطورين البيزنطيين باسيل الثاني وقسطنطين الثامن، اللذين حكما معاً خلال جزء من الفترة التي يُعتقد أن العملة سُكّت فيها.
وبحسب علماء الآثار، فإن هذا الاكتشاف يمثل النسخة الوحيدة المعروفة من هذا النوع المحدد من العملات البيزنطية التي عُثر عليها حتى الآن في النرويج.
ويصعب تفسير وجود العملة في ذلك المكان، حيث سُكّت العملة على بُعد أكثر من 2,000 كيلومتر من الجبال النرويجية، في وقت كانت فيه القسطنطينية تتوسط شبكة تجارية وسياسية واسعة تمتد عبر أوروبا وما وراءها. ولا يزال من غير المعروف على وجه الدقة كيف وصلت العملة إلى فيستري سليدر.
وتتمثل إحدى الفرضيات في الإسكندنافيين الذين سافروا جنوباً وشرقاً للخدمة لدى الأباطرة البيزنطيين. فعلى مدى قرون، جرى تجنيد محاربين إسكندنافيين في الجيش البيزنطي، وشكّلوا الحرس الفارانجي النخبوي، وكان بإمكان أفراده جمع الثروات واقتناء أشياء من مناطق بعيدة عن موطنهم في الشمال.
ومن أشهر الإسكندنافيين الذين خدموا القسطنطينية هارالد هاردرادا، الذي أصبح لاحقاً ملكاً للنرويج. وقبل توليه العرش، أمضى هارالد سنوات في الخدمة البيزنطية، وشارك في حملات عسكرية في أنحاء البحر المتوسط وأوروبا الشرقية.
لكن هذه الصلة لا تثبت وجود أي علاقة بين هارالد والعملة المكتشفة حديثاً. وحذّر علماء الآثار من عدم وجود أي دليل على أن العملة كانت مملوكة له أو لأي عضو محدد من الحرس الفارانجي.
وربما تكون العملة قد انتقلت من يد إلى أخرى عبر التجارة أو السفر أو الخدمة العسكرية أو التبادل الشخصي، قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى المناطق الداخلية من النرويج.
ويُعد هذا الغموض جزءاً مما يمنح الاكتشاف أهميته. فقد تحفظ عملة واحدة دليلاً على رحلة لم توثقها السجلات المكتوبة قط، وتربط بين عاصمة بيزنطية بعيدة ومشهد طبيعي إسكندنافي ناءٍ، قبل قرون من أن تجعل وسائل العالم الحديث مثل هذه المسافات تبدو أمراً عادياً.
ولذلك، فإن أهمية الاكتشاف بالنسبة إلى علماء الآثار لا تكمن في تحديد مالك العملة بقدر ما تكمن في تتبع حركة الأشخاص والثروات والمقتنيات عبر أوروبا في العصور الوسطى.
وقد أمضت العملة الذهبية قروناً مدفونة تحت التراب النرويجي، إلا أن نقشها ظل محفوظاً بوضوح لافت.
وبعد ألف عام، لا تزال ملامح المسيح ظاهرة، في صورة بيزنطية حُمِلت شمالاً عبر عالم لا تزال صلاته وشبكات التواصل فيه تُستعاد اليوم، قطعةً تلو أخرى.