
الربّان صوما | مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, الثلاثاء 23 يونيو، 2026
اعتقد الأب يوسف حبّي أنّ كنيسة المشرق التي حملت البُشرى السارّة إلى الصين والهند قد مارست مركزيّةً متشدّدة مع تلك الأبرشيّات الخارجيّة، اقتضت إرسال مطارين من أبرشيّات العراق وفارس إليها. لكنّ المفارقة أنّنا نجد بين مصاف بطاركة الكنيسة عينها بطريركًا مغوليًّا، هو «يهبالاها الثالث».
ولد مرقس سنة 1245 في منطقة كوشنغ في الصين، من عائلة مسيحيّة أصولها مغوليّة. ترهّب على يد أستاذه الربّان صوما، وألبسه نسطوريوس، مطران بكّين، الإسكيم الرهبانيّ، كما ذكر البطريرك الفخريّ لويس ساكو في حديثه عن سلسلة جثالقة كنيسة المشرق.
تَرافَقا لاحقًا قاصدَين زيارة الكنيسة الأمّ في بلاد ما بين النهرين، والأراضي المقدّسة أيضًا. وفي عام 1280، التقيا البطريك دنحا في «مراغا» التي اتخذها المغول مقرًّا لهم، بعد أن أسقطوا الخلافة العبّاسيّة عام 1258 وفرضوا سيطرتهم على البلاد.
وبعد زيارة كنائس عدّة في بقاع شتّى في ما بين النهرين، قصدا بغداد، وهناك طلب منهما البطريرك دنحا المكوث بقربه في المقر البطريركيّ، «لحاجته إليهما في متابعة شؤون المسيحيّين لدى السلطات المغوليّة لمعرفتهما لغتهم وعوائدهم». لذا، رسم مرقس مطرانًا باسم يهبالاها، وبرصوما كاهنًا وعيّنه زائرًا عامًّا.
يهبالاها بطريركًا
عقب وفاة دنحا عام 1281، وللأسباب عينها، «توجهت أنظار الأساقفة والجماعة في بغداد إلى يهبالاها ليكون بطريركًا»، الأمر الذي سرّ «أباقا» خان المغول.
وذكر ساكو أنّ مراسم تنصيبه «جرَت في كنيسة كوخي العظمى، في الأحد الأوّل من موسم تقديس الكنيسة، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وارتدى قبعة فختية اللون».
ورأى ساكو أنّ اختيار بطريرك خارج التقليد والجغرافيا أمر مهمّ يؤكّد «انفتاح كنيسة المشرق وحكمتها... فاختيار يهبالاها المغولي كان لأجل فتح باب الحوار مع المغول وكسب ودّهم بهدف حماية المسيحيّين».
وقال حبّي إنّ «أفضال المغول على كنيسة المشرق استمرّت، إذ كان عدد كبير من أميرات المغول مسيحيّاتٍ من أتباع كنيسة المشرق، حتّى إنّ آراغون (ابن أباقا وخان المغول بعد عمّه) سمح بعماد ابنه (خربنده). بل كانت خيمة مُصلّى، مع كاهن، ترافق تحرّكات المغول لتأمين الصلاة والقداديس للأميرات المسيحيات».
جزية باهظة
في مراغا، بنى يهبالاها كنيسة مار شليطا ودير مار يوحنا واتّخذه مقرًّا له. وإذ تقلّبت أحوال المسيحيّين في عهد المغول من خانٍ إلى آخر، ساءت أحوالهم بوفاة آرغون عام 1294، ونالت مسيحيّي مراغا اعتداءاتٌ جسيمة، وهدمت كنيسة مار شليطا ونُهِب المقر البطريركيّ وقبضوا على البطريرك يهبالاها وبعض الوجهاء المسيحيين وأهانوهم وعذّبوهم، وخيّروهم بين القتل أو إشهار إسلامهم أو دفع الجزية، فدفعوا جزيةً باهظة.
لاحقًا تنقّل يهبالاها بين مدنٍ عدّة هاربًا حتى بلغ قلعة أربيل. لكنّه عاد إلى مراغا وتوفي فيها عام 1317 ودُفِن في الدير الذي بناه. وحين ساءت الأحوال في مراغا، نُقِلَ رفاته إلى «دير مار ميخائيل ترعيل في أربيل».
عاش يهبالاها، وفق حبّي، في مخافة الله، وكان «مناضلًا في سبيل خير كنيسته، كريمًا، مُحِبًّا للجميع... أمرَ بترتيب مراسم دفن مفريان السريان في مراغا بحضور الجماعات المسيحيّة كلّها». وبسبب علاقاته الوديّة مع الغرب وتساهله مع المُرسلين اللاتين، عدّه حبّي «رائدًا على الصعيد المسكونيّ، قبل سبعة قرون».
البطريرك يهبالاها الثالث المغولي. مصدر الصورة: موقع سانت أدّي