

ليتنا نكون صادقين في أصوامنا ونتوب عن خطايانا
في كل موسم صيام، ننشغل بترتيب الموائد وتغيير أصناف الطعام، فنمتنع عن "الزفرين" ومختلف الأطعمة، ونظن أننا بذلك قد أتممنا الفريضة. لكننا، وفي غمرة انشغالنا بضبط "المعدة"، نسينا ضبط "اللسان"، وغفلنا عن صيام "القلب" الذي هو أصل العبادة وجوهرها.
فخ الخداع الذاتي والبطولات الزائفة
إننا نعيش حالة من التناقض الصارخ؛ نمتنع عن الأطعمة المادية "خوفاً من كسر الصيام"، بينما لا نتردد لحظة واحدة في "اغتيال" القريب بكلمة، أو تدمير سمعة بطلقة نميمة. والكتاب المقدس يشهد بوضوح عن كل الأمور غير اللائقة التي نقترفها خلف ستار التدين. نحن نصوم عن الطعام المادي، لكننا "نقتات" يومياً على لحم إخوتنا بالكذب والنفاق. هل سألنا أنفسنا يوماً: ما نفع الجوع الجسدي إذا كان القلب مشبعاً بالغلّ واللسان لا يتوقف عن نشر الأكاذيب؟
كم مرة نقلنا الأكاذيب ونشرناها بشجاعة غريبة، وكأننا أنجزنا عملاً عظيماً أو أتممنا واجباً بامتياز! نحن لا ننشر الخبر فحسب، بل نتفنن في تزيينه بالباطل، متناسين أن الصمت في هذه الحالات أقدس من الكلام.
بل إن الأمر يصل بنا إلى أقصى درجات الخداع حين نتوهم أن طقوسنا كافية لستر عيوبنا ، فمن الأفضل لنا أن لا نصوم إن كنا سنبقى على هذا الحال من الزيف ،لأن الله لا يرتضي صياماً يسكنه النفاق ، ولا يقبل أبداً أن نلعب معه على الحبلين، بين عبادة الظاهر وفساد الباطن.
من النميمة إلى التمجيد: دعوة للتغيير
إننا نكذب على أنفسنا، ونحاول الكذب على الله مدّعين التوبة، بينما نغتال الآخرين بكلامنا ونسمّم الأجواء بالوشايات. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: فبدلاً من أن نكذب وننافق وننمّ على الآخرين، لنعمل أعمالاً خيرية تمجد الرب. إن الصيام الحقيقي ليس في "تفريغ" المعدة من الأطعمة ، بل في "ملء" اليد بالخير والقلب بالرحمة. فتمجيد الرب لا يكون بالامتناع عن اللحم، بل بمد يد العون للفقير، ومسح دمعة الحزين، ونشر الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم.
ليتنا نتغير للأفضل
ياليتنا نتغير للأفضل ونحسن صورتنا أمام أنفسنا وأمام الله، وأن نكون نافعين للآخر لا هدامين له. ولكي نصل لهذا التغيير، علينا أن نجعل وصايا الكتاب دستوراً لأفواهنا، حيث يوصينا الرسول بولس: "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ" (كولوسي 4: 6)، ويحذرنا بشدة: "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ" (أفسس 4: 29). إن هدفنا السامي يجب أن يكون استبدال كلماتنا الجارحة بكلام نافع، فيه خير ونعمة لكل من يسمعه. فما فائدة الصوم عن الطعمة إذا لم نخرج منه أشخاصاً جدداً، نحمل في أفواهنا بذور السلام بدلاً من أشواك الخصام؟
حين يتحول الصيام إلى "تمثيلية"
إننا نكذب على أنفسنا، والأدهى أننا نتجرأ ونحاول الكذب على الله، مدّعين التوبة والقداسة أمام المذابح، وفي الخارج ننشر السموم والنميمة. الصيام ليس "تغييراً للمنيو" الغذائي، بل هو ثورة على الذات؛ فما فائدة الامتناع عن "الدهون" ونحن نغرق في وحل النفاق؟ إننا نغتال الآخرين بكلامنا، ونسمّم الأجواء بالوشايات، ثم نأتي لنقول بملء أفواهنا: "إننا صائمون"!
دعوة للصدق: الصيام كفعل "حق" لا "امتناع"
ليتنا نكون صادقين في أصوامنا هذه المرة. الصدق يبدأ عندما نصوم عن:
الخاتمة:
إن الله لا ينظر إلى خلوّ بطوننا، بل إلى نقاء ضمائرنا وأثر أعمالنا. لنصم عن "أفواهنا" التي تخرج الأذى قبل أن نصوم عن "الطعمة" التي تدخلها. ليكن صيامنا "توبة" حقيقية تغسل الخطايا، لا مجرد "إمساك" ينتهي بانتهاء الوقت. لنكفّ عن اغتيال البعض بالكلام، ولنجعل من صيامنا جسراً للحق والصدق والمحبة وتنتهي بأعمال خيرية وكلمات طيبة تمجد اسم الخالق وتخدم القريب وتعكس صورة الرب فينا . تائبين حقاً عن كل ما هو غير لائق أمام عظمة الخالق.
رائد ننوايا