
عشتار تيفي كوم - سيريك برس/
على امتداد قرون طويلة، لم يكن الوجود اليوناني واليوناني (الروم) الأرثوذكسي في سوريا مجرد أقلية دينية تعيش على هامش التاريخ، بل كان أحد أعمدته العميقة.
فمن أنطاكيا الهلنستية، إحدى أعظم مدن العالم القديم ومهد المسيحية الأولى، إلى أحياء دارمسوق (دمشق) العتيقة، شكّل هذا الوجود جسراً حضارياً بين الشرق والغرب، ولا يزال يحمل في طياته إرثاً ثقافياً وروحياً نادراً، اليوم، غير أن هذا الإرث يواجه أخطر اختبار في تاريخه الحديث، خطر الاختفاء البطيء، بصمت، ودون ضجيج.
ليس ما يهدد هذا الوجود بالضرورة العنف المباشر أو التدمير العلني، بل عملية تآكل طويلة ومؤلمة، تقودها موجات الهجرة، والخوف، والتهميش الممنهج، وتغيّر البنية السياسية والاجتماعية للبلاد. إنها قصة مجتمع ينسحب بهدوء من المشهد، بينما ينشغل العالم بأزمات أكثر صخباً.
وتعود جذور الوجود اليوناني (الروم) في سوريا إلى العصر الهلنستي، حين أصبحت أنطاكيا واحدة من أهم مدن العالم المتوسطي، ومركزاً للفكر والفلسفة واللاهوت. هنا، تشكّلت أولى معالم المسيحية، وهنا تأسس الكرسي الأنطاكي الذي ما زال حتى اليوم أحد أقدم الكراسي البطريركية في العالم المسيحي، فعبر العصور البيزنطية ثم الإسلامية، حافظ اليونانيون الأرثوذكس على حضورهم، متكيّفين مع التحولات السياسية، ومساهمين في الحياة الثقافية والتجارية والتعليمية للبلاد.
حتى قبيل اندلاع الحرب السورية، كان المسيحيون يشكلون نحو 10 إلى 11 في المئة من السكان، أي ما بين 1.5 و2.6 مليون شخص، كان نحو 80 في المئة منهم ينتمون إلى الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية التابعة لبطريركية أنطاكيا.
هذا الثقل الديمغرافي منح المجتمع حضوراً فاعلاً في المدن الكبرى، لا سيما دارمسوق (دمشق) وحموث (حمص) وحولوب (حلب)، إضافة إلى منطقة وادي المسيحيين في ريف حموث (حمص)
واليوم، تبدو الصورة مختلفة جذرياً، فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن نسبة المسيحيين في سوريا انخفضت إلى ما بين 2 و3 في المئة، وربما أقل. الأرقام متباينة، لكن معظمها يضع عدد من تبقّى بين 300 ألف و700 ألف، وقد يصل في أفضل الأحوال إلى نحو مليون شخص، متركزين في جيوب محدودة.
أما الجالية اليونانية من حيث الجنسية، فقصتها أكثر قسوة، فقبل الحرب، قُدّر عدد اليونانيين (الروم) في سوريا بنحو 2000 شخص. اليوم، لا يتجاوز عددهم في عموم البلاد 300 إلى 400 شخص. غادر الشباب، وتقدّم من بقي في السن، ورحل آخرون مع اشتداد الأزمة، لتتحول الجالية إلى مجتمع هرِم، يكافح من أجل البقاء.
تهميش يومي وضغوط غير معلنة
في دارمسوق (دمشق)، حيث يُقدَّر عدد الروم الأرثوذكس بنحو 100 ألف شخص، يصف كثيرون شعوراً متزايداً بالتهميش. يشير أبناء الطائفة إلى تراجع تمثيلهم في مؤسسات الدولة، وغيابهم شبه الكامل عن الجيش، وانحسار أدوارهم في الوظائف العامة، حيث لا يقتصر الأمر على المؤسسات، بل يمتد إلى الحياة اليومية، حيث يتحدث البعض عن ضغوط اجتماعية ونفسية، من بينها فرض أنماط لباس غير مكتوبة، تطال حتى الرجال، في مؤشر على تحوّل أعمق في المزاج العام وتراجع مساحة التعددية.
و الصورة أشد قتامة في وادي المسيحيين، حيث تتحدث تقارير محلية عن حوادث قتل واعتقال وتهجير قسري، دفعت عائلات بأكملها إلى ترك منازلها واللجوء إلى مناطق أكثر أمناً، بينها مناطق ذات غالبية درزية. هناك، لم يعد الخوف شعوراً عاماً فحسب، بل واقعاً يومياً يهدد الحياة ذاتها.
مخاوف كنسية وتحذيرات سياسية
قيادات كنسية، من بينها شخصيات مرتبطة بدائرة العلاقات المسكونية والتنمية في بطريركية أنطاكيا (GOPA-DERD)، عبّرت مراراً عن قلق عميق إزاء المستقبل حيث لا يقتصر الخطر، بحسب هذه القيادات، على الفوضى الأمنية أو الجريمة، بل يتجاوز ذلك إلى تهميش سياسي ومؤسساتي في ظل سلطات انتقالية يُنظر إليها على أنها تمثل طيفاً ضيقاً من المجتمع، وتحكم بمنطق الغلبة لا الشراكة.
ويثير ترسيخ الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع مخاوف إضافية لدى الأقليات الدينية، التي ترى في ذلك تهديداً مباشراً لفكرة الدولة التعددية والتجارب القريبة في العراق ولبنان لا تزال حاضرة في الذاكرة: هناك، أدت سياسات مماثلة إلى هجرة جماعية، أو إلى اختفاء شبه كامل لمجتمعات مسيحية عريقة.
وإذا استمر هذا المسار، فإن سوريا قد تخسر واحداً من أقدم خيوط نسيجها الحضاري. اختفاء الوجود اليوناني (الرومي) الأرثوذكسي لن يكون مجرد تغيير ديمغرافي، بل فقدان ذاكرة حية، وقطع صلة بين الحاضر وإرث يمتد لآلاف السنين في شرق المتوسط.
ويعد زوال صامت، بلا مشاهد درامية أو عناوين عاجلة، لكنه لا يقل فداحة عن أي دمار آخر شهدته البلاد. والسؤال الذي يلوح في الأفق ليس ما إذا كان هذا الوجود سيتقلص أكثر، بل ما إذا كان العالم سيلتفت إليه قبل أن يتحول إلى سطر في كتب التاريخ، بعد فوات الأوان.