لوحة العشاء الأخير لليوناردو دا فينشي في قاعة طعام دير سانتا ماريا ديلي غراتسي | مصدر الصورة :posztos/shutterstock
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
أربيل, الأحد 31 أغسطس، 2025
قد لا ترقى لوحة العشاء الأخير الشهيرة إلى قدسيّة الأيقونة، لكنّ الجدل يتجدّد بين حينٍ وآخر بشأن تعمّد الإساءة إلى المشهد الذي تقدّمه بكلّ ما فيه من رمزيّة وخصوصيّة لدى المؤمنين المسيحيّين، كونه يمثّل لحظة تأسيس سرَّي الكهنوت والقربان المقدّس، فضلًا عن تصويرها المسيح وتلاميذه القدّيسين.
رغم ما عانته اللوحة عبر القرون بسبب عوامل بيئيّة أو بشريّة أتلفت أجزاء منها ما استدعى محاولات ترميمٍ عدّة، بعضها أتلف أكثر ممّا أصلح، لكنّها نجت من الإساءة الفيزيائيّة وما زالت ماثلة في موقعها الأصيل على حائط غرفة الطعام في دير سانتا ماريا ديللي غراتسيه بميلان الإيطاليّة، المُجَهَّز بأنظمة تحكّم بالرطوبة والحرارة حيث تستقبل عشّاقها مدّةً لا تزيد عن ربع ساعة. لكن ماذا عن الإساءات المعنويّة؟
لم تنجُ اللوحة من إساءات معنويّة متكرّرة شوّهت هذا الحَدث الإنجيليّ وأثارت حفيظة الكنيسة الكاثوليكيّة إزاء ما عدّته تدنيسًا للمقدّسات، لا سيّما عبر إعادة إنتاجها بصورة ساخرة ومبتذلة أو استغلال مشهدها في الترويج الإعلانيّ لأطعمةٍ وأشربةٍ عدّة وسواها من المنتجات، ولم تكن المحاكاة المبتذلة لمشهدها في أولمبياد باريس 2024 آخرها، رغم الإدانات الكنسيّة الواسعة في العراق والعالم.
إساءة إلى مفاهيم التعايش
على الصعيد المحلّي، أبرزت وكالات أنباءٍ ومواقع تواصل واقعة استغلال مشهدها في الدعاية لأحد المطاعم في أربيل العراقية والجدل الذي صاحبها أخيرًا، إذ عدّها كثيرٌ من المتابعين، لا سيّما مسيحيّي المحافظة، إساءةً لا تغتفر إلى مفاهيم التعايش الأخويّ في إقليم كردستان ومحاولاتٍ لزرع الفتنة، داعين إلى تقديم مرتكبيها إلى القضاء.
إثر تصاعد الإدانة والجدل بشأن الواقعة، سارعت السلطات المحلّيّة إلى إغلاق المطعم، وأعربت عن رفضها أيّ تصرّف يؤدّي إلى الفتنة أو يحمل في طيّاته ازدراءً للأديان، مشدِّدةً على احتضان أربيل مكوّنات دينيّة وقوميّة عدّة في تعايشٍ أخويٍّ لن تسمح بالإخلال به. وبادرت إدارة المطعم إلى الاعتذار، متذرّعةً بجهل فريق التسويق بالقيمة الدينيّة والتاريخيّة للوحة.
أعادت الواقعة إلى الأذهان إساءاتٍ سابقة طالت رموزًا دينيّة في متاجر عدّة في أربيل أثارت سخط مسيحيّيها واستياءهم، وعدّوها إساءاتٍ جسيمة ترقى إلى ازدراء الأديان، مطالبين بإجراءاتٍ رادعة أكثر صرامةً من مجرّد إغلاق موقّت.
الجدير بالذكر أنّ لوحة العشاء الأخير تعدّ من بين الأشهر عالميًّا، أبدعها ليوناردو دافنشي في القرن الخامس عشر على حائطٍ في دير سانتا ماريا ديللي غراتسيه، وأثارت الاهتمام عبر العصور ونالت النصيب الأعظم من الدراسة والتحليل سواء لناحية فرادتها الفنّيّة أو الرموز التي يُعتقَد أنّها تُخفيها.