مسيحيو العراق يطالبون بضمانات للحقوق وشراكة سياسية حقيقية وسط تراجع أعدادهم      ترامب يسلّط الضوء من الأمم المتحدة على اضطهاد المسيحيين حول العالم      قداسة البطريرك مار آوا الثالث يستقبل رئيس أساقفة السويد وإسكندنافيا للكنيسة السريانية الأرثوذكسية      المطران أرماش نالبانديان.. أين مكان المسيحيين في سوريا؟      البطريرك نونا يستقبل وفدًا من المجلس الدولي لحوار الأقليات      إحياء ذكرى ثلاثة مسيحيين آشوريين من الخابور في الذكرى الـ11 لإعدامهم على يد داعش      مهرجان الشبيبة السنوي السادس لأبرشية دير مار متى      البطريرك نونا يستقبل وفدًا من الجامعة الأمريكية في كوردستان – دهوك      غبطة البطريرك يونان يوجّه رسالة تعزية إلى غبطة الكاثوليكوس مار باسيليوس اقليميس بوفاة المثلَّث الرحمات مار يوليوس أبراهام كاكانات      البطريرك نونا يتحدث عن التعايش السلمي في الجامعة المستنصرية ببغداد      تيك توك أمام هيئة محلفين أميركية في محاكمة بشأن تأثير المنصة على صحة المراهقين      المسيحيون في بدايات كرة القدم العراقية.. لاعبو الرعيل الأول الذين أسهموا في صناعة تاريخ «أسود الرافدين»      مطارا أربيل وجلال طالباني يعلقان الرحلات الجوية من وإلى إيران      البنك الأوروبي يتوقع انكماش اقتصاد العراق 12% في 2026 بسبب اضطراب صادرات النفط      السعودية وتركيا وباكستان تبحث دعم الرياض في اجتماع عسكري عاجل مع تصاعد هجمات الحوثيين      من أور الكلدان إلى نينوى الآشورية.. المتحف العراقي يحفظ 7 آلاف عام من تاريخ بلاد الرافدين      البابا لاوون الرابع عشر يسلّط الضوء على مسيحيي الشرق الاوسط خلال زيارته إلى فرنسا      بجملة توصيات.. لجنة النفط النيابية تقترح تجهيز إقليم كوردستان بالوقود أسوة بالمحافظات العراقية      تركيا والعراق يتفقان على تسليم قاعدة بعشيقة تدريجياً إلى بغداد وتعزيز التعاون الأمني      ترامب وشي في واشنطن.. قمة مفصلية تبحث التجارة والتكنولوجيا وتايوان وسط تفاهمات وخلافات عميقة
| مشاهدات : 1292 | مشاركات: 0 | 2020-09-21 09:32:01 |

نحن بين عالمَين: حقيقي وافتراضي

المطران د. يوسف توما

 

كان عمري 12 سنة عندما رأيت التلفاز للمرة الأولى، وأتذكر السحر الذي أحدثته في الصور المنقولة من بعيد، فهي تختلف عن السينما التي أخذوني إليها وعمري 6 سنوات في إحدى قاعات الموصل، وكان فيلم حرب سبارتاكوس (أنتج عام 1953)، سيوف وقعقعة، لكن السينما قبل الفيلم كانت تبدأ بأغاني لفنان شاب اسمه عبد الحليم حافظ لا تزال ترنّ في أذني: "صافيني مرّة، وجافيني مرّة...". كان ذلك في عام 1955.

خلال 60 عاما تحوّل عالمنا من عالم "حديث" إلى عالم "ما بعد الحداثة"، أي أصبح مقطّعا منقسما إلى أجزاء. أحد مظاهر هذه التجزئة الأكثر وضوحا هي "الفيديو كليب" video-clip، وابلٌ من ومضات وذبذبات صوتية مشوّهة، بل إن حربا جديدة كادت تندلع اليوم بين الصين والولايات المتحدة بسبب تطبيق اسمه Tik Toc للفيديوهات الصغيرة. لقد راح زمن الانسيابية حين كنّا نتمايل ونتأرجح على أنغام الإيقاع، إنكسر الخط البياني واختلط الماضي بالحاضر، وحتى بالمستقبل. كل شيء يسهل تناوله ومحاكاته هنا والآن أمامك في لحظات!

ليكن الله في عون الأجيال الحاليّة التي لم تعد تستطيع أن تأخذ نَفَسًا أمام المتغيّرات التي تخلط كل شيء: الدين والأدب، الواقع والافتراضي، ودخل مارد "المخيّلة" في قمقم وأعطينا به وسيلة للتعامل بالرقمية المحمومة. لكنه لا يسمح لنا أن نختار ولا أن نقرّر. فنحن في عالم يفتقر إلى الحسّ بالمعنى. بعيدون كل البعد عن المحتوى الموضوعي. فأداء الفنان اليوم يتجاوز الفن الذي ينتجه، وأصبح اسمه أهمّ مما يوصله إلينا وهو يستحق الاحترام أكثر من فحوى ما يقول. تقديرنا للفنان يعطيه وسيلة للولوج إلينا وكسب ودّنا وفلوسنا فقط. لاحظ كثرة الجمل التي يتم تناقلها منسوبة إلى شخصيات مشهورة، في حين ليس لأحد أي وسيلة للتأكد من صدق القول، فأغلبهم مات، كقول أحد زملائي في المتوسطة: "إن لم تصدقني إسأل المرحوم عمّي!".

آينشتاين، الذي كشف النقاب عن سرّ الكون بمعادلاته، خلفه ستيف جوبز (1955 - 2011)، الذي قدّم لنا روائع التكنولوجية ملفوفة في لوح واحد (أيباد) في منتهى الجمال والفاعلية العمليّة، صار هو مصباح علاء الدين، عندما أفركه يخرج منه أكثر من مارد، وينقلني بسرعة الضوء إلى كل مكان بما يتحدّى العقل البشري.

في الوقت الحاضر لم يعد الاستلاب alienation، الذي تناوله كل سادة الشك: فرويد، نيتشه وماركس، لم يعد ذلك العوق نتيجة أيديولوجيات تشوّه الواقع، زماننا هذا يغرس فينا أشكال الكذب (الرقمي) بشكل لا نشك فيه كما لو كان حقيقة. نحن فقط بحاجة لأن نفكّها من معقلها الرقمي لتصبح أمامنا. صرنا كائنات تسافر في آن واحد بين عالمين: عالم احتياجاتنا الآنية وعالم افتراضي ينتمي إلى أحلامنا ورغباتنا الدفينة منذ آدم وحواء.

لأن مشكلة أبوينا الأولين، يقول الكتاب المقدس، كانت في سجن غرورهما، في الأنا المتعجرف المعادي للمؤانسة الاجتماعية. أما نحن فصرنا نسافر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تستغني عن النص والسياق. صرنا قانعين باللغة كما تأتي، فلم نعد نهتمّ بالقواعد والحركات وحروف العلة والجزم، صارت الاختصارات والثرثرة أشبه بالكتابة الهيروغليفية ورموز مصر الصورية التي تربطنا بجماهير معَولمَة ترتاح على شاطئ العالم، منفصلة عن الواقع، نصف نائمة، لكنها تُبقي عينًا تراقب الفراغات الممكن ملؤها...

في ستينيات القرن الماضي بدأتُ أقرأ أشكال الأدب العالمي ولم تكن تفزعني ضخامة كتب: فيكتور هوغو، هيمنجواي، تولستوي، دوستويفسكي وغيرهم، لكن سرعان ما ظهرت مجلات تختصر القصص وتقدّمها لك ببضع صفحات لمجرّد أن تعطيك فكرة، هذا كنتُ استغربه، لأن المختصرات تحرمُك لذّة التحليق مع الكاتب الأصلي والسفر برفقته بخطوات وإيقاع، كانت تلك بداية النهاية، اليوم بعضهم يستثقل حتى عشر صفحات...

هكذا تم استبعاد الروايات العظيمة لمجرّد لحظات تقفز وتخلو من الذاكرة واليوتوبيا (الوهم الأدبي). لقد رحل الماضي، وأصبح المستقبل هو الوهم... أما الحاضر فبقي مضجِرا سجينا يدور حول نفسه بشكل دائري بلا نهاية.

كان للبيوت في الماضي حُرمة، فلا يدخل أحد منزلا من دون موعد، يأتي ويقرع الباب ويطلب رخصة، أو يُدعَى إلى الدخول ويطلب المشورة بوجَل وخجل في كيفية التعامل مع أهل الدار، يلتزم بالموعد في الوقت المحدَّد، ويحدِّد هو نفسَه بقيافة ملائمة ويكون شديد الانتباه والتوجّس بالانتظار والاهتمام اللائق. (هذا ما عدا الغزاة من حين لآخر الذين يحتلون بلاد غيرهم ...).

أما اليوم فقد تغيّرت الأمور، مئات الملايين من الناس صاروا يمارسون الغزو الرقمي، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، يغزون حيّزنا الخاص، المناطق التي فيها جروحنا وحساسيّتنا، ويسمح بعضهم لنفسه أن يغرز السكين في الجرح، نكاية، ويسمح لنفسه خصوصا بإهانتنا (من خلف حاسوبه)، يتحدّانا حتى في القيم التي لا زلنا نؤمن بها، يحاول دفنَنا في قبور جماعية افتراضية، كما فعل الدواعش فعليًا، لا يعبأ بالعواطف. كل شيء صار يشبه لعبة كرة الطاولة (بينج بونغ)، يوجد طاولة لكن من دون شبكة في الوسط تميّز بين ما لنا ولهم. الدواعش أولاد خُلَصْ للزمن الافتراضي القبيح، بغسل الأدمغة، إذ لم يرَ العالم عددَ شباب يفجّرون أنفسهم بقدر ما حدث في السنوات القليلة التي حكموا فيها.

إن الإدمان على استخدام التكنولوجيا الرقمية، جعل الكثيرين سجناء وعبيدًا لهذه التكنولوجيا بالذات، التي تضمن العودة الفورية إلى رأس المال (كل شيء يرجع إلى المال لو تمعنّا جيدا!)، نحن نضيع ساعات من حياتنا، نلقي أنفسنا في حلبة مصارعة غير متكافئة بالضبط مثل شارلي شابلن (في فيلم "أضواء المدينة") ندخل، والله كريم، وليحدث ما يحدث... نحن كمن في بحر متلاطم لا نسافر وإنما نغرق. نسمح لأنفسنا أن نكون مساجين من قبل شبكات تؤيّد فقدان الخصوصية الشخصية وحقِنا بالسريّة.

لا يحتاج أحد من الآن وصاعدا أن يفكر في غزونا وغزو خصوصيّتنا، كما كان في الزمن الماضي. لقد صرنا نحن أنفسنا معرّضين له مكشوفين ومفضوحين على الشبكة العالمية، تمزّقت الأقنعة والملابس وتعرّينا وانكشف عَوَزُنا الثقافي وفقرُنا الروحي، وويل لمن يصير كما قال المغني العراقي: "حكاية بالديوان"، اليوم حتى "جو بايدن" المرشح الأمريكي للرئاسة عملوا له فيلما قصيرا يظهره نائمًا خلال إحدى المقابلات كي يحجّموه فلا يصوّت له الشعب، لكن ذلك الفيلم ظهر أنه مفبرَك وكاذب.

لديّ شعور يزداد كل يوم أن هذه التكنولوجية الرقمية، لم نعد فيها سوى مجرد نماذج فقط. كائنات عشوائية في بحر هائج يسود من يسافر فيه ويملأه بالشعور بالتفاهة وعدم الأهمية.

لقد أصبحنا بالفعل عبيدًا للعالم الرقمي وابتعدنا عن الواقع، نحن مثل سجناء مربوطين إلى قضبان الشبّاك، لم نعد قادرين على إيقاف هواتفنا النقّالة أو تحويل نظرنا عنها. وهي التي تسمح لنا - أو لا تسمح - أن ننظر إلى العالم، إنها مجرّد شاشة صغيرة، نافذة سجن قفلنا نحن أنفسنا فيه، ورمينا المفتاح في المياه التي تحيط بالجزيرة، جزيرة الأنا التي عزلنا أنفسنا فيها، هذه الجزيرة صارت على وجه الخصوص تخلو من الإثرة والغيريّة والمعنى.

 

كركوك الأحد 20 أيلول 2020









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.8023 ثانية