

الله خلق الإنسان حراً وأعطى له سلطانً على المخلوقات وأولها على الحيوانات لا على البشر ، بل لخدمة الإنسان، لذلك أية سلطة يجب أن لا تقلل من قيمة الإنسان، بل أن تنظم أيجابياً العلاقات الإنسانية وتوزع الحقوق والواجبات والمناصب بدون تمييز. الله يتعامل مع البشرلأن للبشرية في خطته هدف، وليست هي الهدف لمن يبحثون عن المصالح الدنيوية. فمن الضرورة الإلتفات الى تألم الآخرين وليس الى منفعة كتلة سياسية معينة. وهذا ما وصل اليه اللاهوتي الكاثوليكي الماني جوهان ميتز الذي ولدعام 1928 ومن ضمن أبحاثه في تاريخ اللاهوت السياسيقوله :
أن كل خط سياسي واحد هو دكتاتورية، وكل موقف لاهوتي لوحده يعني الإنعزالية.
فمن الضروري أن تنفتح الكنيسة في حوار مع السياسيين والفلاسفة المثاليين والماديين وعلماء علم الإجتماع للوصول إلى ما هو أفضل.
كما أكد اللاهوت السياسي بأنهُ ليس تأملاً لاهوتياً حول السياسة، بل لكي يؤكد على الأهمية الأساسية لتسامي الإيمان كي يساهم في خلاص المجتمع وتطوره، وهكذا تخلق العلاقة بين معاني القيّم الإيمانية لدى الشخص والمجتمع. العمل في اللاهوت السياسي ليس تشريعاً لنظرية أوللمارسة السياسية ولا هو تطبيق للاهوت في السياسة بل أنه يقبل وحدة محبة الله والقريب. “1 يو 20:4 ” . هكذا يجب أن يكون عمل اللاهوت في السياسة مستمراً لديمومة المعالجة وللتوعية للتقريب بين الدين والمجتمع بما فيه الممارسات السياسية والإجتماعية مع الحذر من تسييسالدين أو أقحامه بالسياسة لأجل السياسة. لأن الغاية هي للوصول الى سياسة عملية للتوحيد بين محبة الله ومحبة القريب. المسيح السياسي الذي نقد السياسة وتحدى السياسيين بأقواله كما قال عن هيرودس: إذهبوا وقولوا لهذا الثعلب ... . إنه واجب كل مسيحي كمواطن وفرد وكذلكواجب الكنيسة كمؤسسة. كان المسيح سياسياً ويجادل السلطات الزمنية وكانت غايته من الصراع السياسي لتأسيس عهد جديد يبني ملكوت الله ويُنظِم القوانين. وهذا العمل اليوم لا يكتمل إذا لم يتحد مسيحيوا اليوم مع قادتهم الدينين من أجل الدفاع عن حقوقهم. بطريرك كنيستنا الكلدانيةالفخري الكاردينال مار لويس ساكو يقتدي بالمسيح فوقف بقوة وتحدى السياسيين من أجل الحفاظ على حقوق الكنيسة والمسيحيين المهمشين في المجتمع، فعلى كل المؤمنين ومن كل الطوائف المسيحية الأخرى أن تحذو حذوهُ، ويجمعوا معه، فمن يقف في موقف الضد فإنه يبدد، ومن يقف في موقفالحياد والصمت سيستفاد منه الخصم.
الهدف من اللاهوت السياسي
هدف اللاهوت السياسي ليس لغرس الإيمان والأخلاق في عقول السياسيين. لكنه يهدف الى الوعي اللاهوتي بما يعمله السياسيون، فيجب تحديد حقول وأوساط عمل اللاهوت السياسي اليوم.
من الخطأ جداً أن يستخدم الكاهن منبر الكنيسة لخدمة السياسة على حساب العقائد المسيحية، أو إستخدام المنبر السياسي لأمور دينية ونشر مبادىء دين على حساب عقيدة مواطنين من دين آخر.
ومن مصلحة السياسة والسياسيين أن يكون الشعب مؤمن يخاف من الله ليعمل الصلاح. ومن مصلحة المؤمن أن يسمع إلى الإثنين لأنه عضواً في كليهما. لأن كلما نما الفرد في الإيمان الحقيقي كلما نما ولائه لوطنه، وان فقدان الولاء للمجتمع، هو بسبب الإنحدار الروحي أو الإيمانيفي الفرد. لهذه الأسباب يجب أن تلتقي السياسة مع الدين لخدمة المواطن خدمة روحية، لخدمة الروح ، وزمنية لخدمة أحتياجات الجسد والوطن. لهذا لا يجوز للمواطن أن يكره السياسة لكونه متديناً فيبتعد عنها، كما يخطأ من ينغمس في السياسة فقط، معتبراً الدين وَهم فيبتعد منالإلتزام بوصاياه.
أما عن موضوع إستبدال المسيحية بالعلمنة، فنقول، أن جربنا وضع الشخص محل الله، فإننا نظرياً علينا أن نضع الجوهر الإنساني المخلوق محل الإله الخالق. ولو أبدلنا الدين بالسياسة كما يطلب اليساريون والماركسيون فستصبح السياسة دينناً، وعقيدتنا والدولة وحزبها الحاكمقبلتنا، بل صنمنا، وهكذا سنعبُد هذا الإله الزائل من دون الله.
إذاً تأليه السياسة هو خرافة، والمسيحية لا تقبلها، لأنها تتمسك بالمصلوب وتشهد له وتنتظر مجيئه، فمن خلال الإضطهاد والألم والحكم الظالم الذي تم بسيدهم المصلوب ينتظرون عودته ومُلكه وحضوره بكل صبر.
الصليب هو سياسة التحرير لأنه هو الأيقونة السياسية للكنيسة وهو رجاء أبنائها في سياسة التحرر، وأن ذاكرتنا بيسوع المصلوب ترغمنا نحن المؤمنين به نحو لاهوت سياسي تحرري ونقدي. رجاء المسيحي أذاً هو يسوع المصلوب الذي هو صورة الله الغير المرئية. فأن قامت المسيحية بدورهاكما ينبغي لحطمت كل الصور المتمثلة في دين السياسة، والأقتصاد، والأعمال وتجارة الجنس، وغيرها وتطهرها من أصنامها التي تُعبد لذا على المسيحيين أن يعَبِّدوا الطريق أمام المستقبل، وهكذا ستزيل الكنيسة أغتراب الناس بسبب السياسة أو العصرنة كي تخدم تحرر الإنسان ولكييكون المؤمن مثال الله الحي.
اللاهوت السياسي لا يحلل إبعاد الدين عن السياسة لأن عملية الإنسحاب من الفضاء السياسي كما حصل في العراق بعزل الدين المسيحي فقط عن السياسة كلياً فهو تهميش متقصد ضد فئة من المجتمع من دون الفئات الأخرى. سبق وأن فعلت أيطاليا بعزل سلطة بابا الفاتيكان لكي يعمل السياسيونكما يحلو لهم فيظلون لوحدهم في الساحة، وهكذا بدأ المخطط لضرب الإيمان المسيحي في أوربا إلى أن تحول مجتمعها إلى شعب ملحد. لهذا السبب اللاهوت السياسي هو ضد خصخصة الدين ووضعه في قفص مغلق ليصبح شأناً شخصياً، بينما الكتاب المقدس يحمّل المؤمنين مسؤولية إجتماعية منأجل أبراز الحق مما ينبغي أن يدخل الدين الى الميدان السياسي من أجل كشف الكذب والخداع والإستغلال لدى السياسيين والمتدينين الذين لا يعيشون وفق الإيمان الصحيح، بل يجاملون السياسيون بالكذب من أجل مصالح مادية ضيقة ومرفوضة دينياً. أجل الكذب يشوه الدين والسياسة ويؤلمالكثيرين، ويولد صراع مرير، فهدف اللاهوت الكنسي هو تعرية أعمال السياسة الخاطئة الظالمة من أجل العدل، ومن أجل ولادة إنسان جديد يعمل وفق منظار الله. وهكذا يراقب اللاهوت السياسي الحركات السياسية وأفكارها وأهدافها لأن للدين أيديولوجية كتابية تأملية نقدية يدرس التركيبةالإقتصادية والسياسية للمجتمع بما أنه إبن الكنيسة المقدسة لهذا يوجه الزمان والمكان بروح منفتحة.
اللاهوت السياسي يديم أيضاً عملية إعادة تحديد العلاقة بين الدين وسياسة الدولة. وهذه الممارسة تمنع إستغلال الدين من قبل السياسين كما يحصل في الشرق الأوسط وفي بلدان كثيرة في العالم.
الوظيفة الإجتماعية والسياسية للإنجيل هي مصدر دائم للإبداع. فرجاء المسيحي بها هو لمستقبل أفضل بمحبة الله والقريب فتقوده لنقد كل حالة غير صحيحة. العصرنة هي في قبر خطير نحو الموت النهائي. فالعلم الذي أنفصل عن الحكمة وأنحط في عقلانية الإستغلال، أنفصل عن الإيمانفحدث أنفصال بين العقل والاداب أو بين الإيمان والعقل، فاللاهوتيون يعملون من أجل الموازنة وتعطيل الإنقسام والإنعزالية.
أنتقد القديس أوغسطينوس السلطة الرومانية لأنها أمتازت بحب الذات والإنعزالية. وحسب جون ملبانك اللاهوتي البريطاني المهتم بالشؤون اللاهوتية المرتبطة بالعلوم الأجتماعية، يقول :
إن الإهتمام بالنفس والجسد يتضمن النظام والتماسك.
من هنا الكنيسة المقدسة هي الوسيط بين الفرد والعالم وليست ضد الدولة مثلما المسيح هو الوسيط بين الله والبشر. هكذا قدم هذا القديس العظيم أقدم أشكال اللاهوت السياسي حيث أمتاز بنظرة عميقة وشاملة حيث رحب بافكار من سَبقه وأكد الإهتمام بالروح مثلما تهتم بالجسد. فاتحاًالحرية للمؤمن وللسياسي والفيلسوف للتجدد نحو الأفضل. مع ذلك كان متشائماً من السياسيين. لذلك شدد على دور الضمير البشري عند السعي نحو القيم الإنسانية، بشرط أن تضفي عليه روح المحبة وعمل الخير.
أخيراً نقول بأن المبادىء الأخلاقية العالمية تشتق من طبيعتنا المشتركة كبشر. لكن إذا لم يتم قيادة العولمة وفق المبادىء الأخلاقية المستمدة من تعليم السماء فأن ذلك سيؤدي الى كل أنواع الظلم، لهذا العولمة تحتاج إلى أن تكون موجهة لكي تحترم الحرية الإنسانية والتوجهيهالصحيح لها ينبع من المبادىء المسيحية التي تتوخى إلى الوحدة المنسجمة في العائلة والمجتمع.
توقيع الكاتب ( لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن .. ) " رو 16:1"