

شهدت السنوات الأخيرة اتجاهاً لدى بعض كهنة كنيسة المشرق نحو تقليد أساليب الوعظ الغربية، مستفيدين من سهولة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها الواسع، حيث بات كلٌّ منهم يقدّم عظاته وفق أسلوبه الخاص ووجهة نظره اللاهوتية والرعوية، فيما اختار بعضهم تقديم الوعظ باللغة الإنكليزية.
ومع كامل الاحترام للكهنة الواعظين والعلمانيين، وللجهات الكنسية التي تمنحهم صلاحية تقديم التعليم الإنجيلي باللغة الإنكليزية، فإن هذه الممارسة تثير جملة من التساؤلات اللاهوتية والطقسية والرعوية التي تستحق الدراسة والنقاش، ولا سيما فيما يتعلق بهوية كنيسة المشرق، وخصوصية تراثها، والمرجعيات التي يستند إليها التعليم الكنسي فيها.
أولاً: المرجعية الكنسية وحدود صلاحية التعليم الإنجيلي
من منظور التقليد الكنسي، يُعدّ التعليم الإنجيلي جزءاً أساسياً من الرسالة التعليمية والرعوية للكنيسة، الأمر الذي يستدعي توضيح حدود الأدوار الموكلة إلى العلمانيين، مقارنةً بالأدوار التي يضطلع بها الكهنة وسائر الخدام المرسومين. ومن هنا، يبرز السؤال عن الأسس اللاهوتية والقانونية والكنسية التي تستند إليها عملية منح صلاحية الوعظ والتعليم الإنجيلي، ومدى انسجام هذه الصلاحيات مع التقاليد المتوارثة في كنيسة المشرق.
كذلك، تبرز أهمية تحديد المرجعيات التي يعتمد عليها الواعظ في إعداد مادته التعليمية، إذ لا ينبغي أن يقوم التعليم الكنسي على الاجتهادات الفردية والآراء الشخصية وحدها، بل يجب أن يستند إلى الكتاب المقدس، وتعاليم الآباء، والتراث اللاهوتي والطقسي والعقائدي الخاص بالكنيسة. ومن ثمّ، فإن التحقق من مدى انسجام المضامين المقدّمة مع هذه المرجعيات يُعدّ أمراً ضرورياً للحفاظ على وحدة التعليم الكنسي وصحته، وتجنّب تقديم أفكار أو تفسيرات لا تنسجم مع تقليد الكنيسة وإيمانها.
ثانياً: اللغات الانكليزية والعربية وغيرها والهوية الطقسية لكنيسة المشرق
إن مسألة تقديم الوعظ باللغة الإنكليزية أو العربية لا تتعلق بمجرد اختيار لغة مناسبة للتواصل مع المؤمنين، بل تمسّ جانباً جوهرياً من هوية كنيسة المشرق وتراثها الروحي والليتورجي. فاللغة الآشورية الطقسية ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي وعاء يحمل الذاكرة التاريخية واللاهوتية والروحية للكنيسة، ويربط الأجيال الحاضرة بإرثها الكنسي العريق.
وقد أظهرت تجارب تاريخية متعددة أن تراجع استخدام اللغة الطقسية قد يؤدي، مع مرور الزمن، إلى ضعف ارتباط المؤمنين بتراثهم الليتورجي والأدبي، وإلى تراجع معرفتهم بمفرداته ومضامينه اللاهوتية. لذلك، فإن المحافظة على اللغة الطقسية لكنيسة المشرق تمثل مسؤولية ثقافية وروحية ولاهوتية، لما لها من دور في صون الخصوصية الكنسية وتعزيز الشعور بالانتماء إلى هذا التراث.
ومع ذلك، فإن مراعاة الاحتياجات اللغوية للمؤمنين، ولا سيما الذين يعيشون في بلدان الاغتراب أو ينتمون إلى أجيال لا تتقن اللغة الطقسية، تظلّ حاجة رعوية ينبغي التعامل معها بحكمة. غير أن الاستجابة لهذه الحاجة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لتهميش اللغة الآشورية أو إضعاف حضورها في الحياة الكنسية. بل المطلوب هو إيجاد توازن مدروس بين إيصال التعليم الإنجيلي إلى مختلف فئات المؤمنين، والمحافظة على اللغة الطقسية بوصفها أحد المكونات الأساسية لهوية كنيسة المشرق واستمرارية تراثها.
ثالثاً: الوعظ عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيره في الحياة الرعوية
إلى جانب التساؤلات المتعلقة بمضمون التعليم ولغته ومرجعيته، تبرز ضرورة النظر بجدية في مسألة الوعظ الديني الذي يقدّمه بعض الكهنة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ووضع ضوابط كنسية واضحة لتنظيم هذه الممارسة، بما يضمن خدمتها للرسالة الكنسية وعدم تعارضها مع متطلبات الحياة الرعوية.
فالدعوة الدينية، في جوهرها، لا تقتصر على نقل التعاليم والإرشادات الروحية من خلال الوسائل الرقمية، بل تقوم أيضاً على العلاقة المباشرة بين الكاهن والمؤمن، وعلى المشاركة الفعلية في حياة الجماعة الكنسية، بما تتضمنه من صلاة وعبادة وإرشاد روحي وتواصل إنساني ومرافقة رعوية مستمرة.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتشار الواسع للوعظ الكهنوتي عبر المنصات الرقمية قد يترتب عليه، في بعض الحالات، تراجع دور الكاهن المحلي ومكانته الرعوية، ولا سيما عندما يتجه المؤمنون إلى متابعة كهنة من خارج رعاياهم، ويصبح هؤلاء مصدرهم الأساسي للتوجيه الديني والروحي، على حساب الكاهن المسؤول عن رعايتهم المباشرة.
كما قد يؤدي الاعتماد المتزايد على المحتوى الديني المتاح عبر الإنترنت إلى تكريس نمط من التدين الفردي الذي يكتفي فيه المؤمن بمتابعة العظات والمواعظ الرقمية، من دون أن يقابله التزام مماثل بالحضور إلى الكنيسة والمشاركة في القداديس والصلوات والأنشطة الكنسية. وإذا استمر هذا الاتجاه من دون توجيه أو تنظيم، فقد يضعف ارتباط المؤمنين برعاياهم المحلية، ويؤثر سلباً في دور الكنيسة بوصفها جماعة إيمانية حيّة تقوم على الشركة والمشاركة، لا على تلقي المحتوى الديني فحسب.
ولا يعني ذلك أن الوعظ الرقمي يفضي بالضرورة إلى هذه النتائج، أو أنه يخلو من الفوائد، بل إن تأثيره يتوقف على كيفية استخدامه، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، ومدى اندماجه في إطار رعوي كنسي واضح.
رابعاً: الوعظ الرقمي ومستقبل الرسالة التبشيرية لكنيسة المشرق
ينبغي أيضاً تناول هذه المسألة في ضوء الخصوصية التاريخية والكنسية لكنيسة المشرق، التي أدّت في مراحل تاريخية سابقة دوراً بارزاً في نشر المسيحية في مناطق واسعة من آسيا، قبل أن يتراجع نشاطها التبشيري المنظّم بصورة كبيرة خلال القرون اللاحقة.
ومن هنا، فإن التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر التعليم الإنجيلي يثير تساؤلات تتجاوز حدود الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، لتشمل طبيعة الرسالة الكنسية وأهدافها، وأولويات النشاط التبشيري، والجهات المخوّلة بممارسته، والوسائل الملائمة لتحقيقه، فضلاً عن انعكاساته على البنية الرعوية والهوية الكنسية.
فإذا كانت كنيسة المشرق تتجه نحو إحياء رسالتها التبشيرية أو تطوير حضورها الإنجيلي في العصر الحديث، فإن هذا التوجه يستوجب إعداد دراسة معمّقة تتناول أسسه اللاهوتية والتاريخية والرعوية، وتحدّد أهدافه وأولوياته والفئات التي يستهدفها، وتقيّم الوسائل الأكثر ملاءمة لتحقيقه، بما في ذلك دور المنصات الرقمية في خدمة هذه الرسالة.
كما ينبغي التمييز بوضوح بين استخدام التكنولوجيا بوصفها أداة مساندة للعمل التبشيري والرعوي، وبين تحويلها إلى بديل عن الحضور الكنسي المباشر والمشاركة في الحياة الليتورجية. فنجاح الرسالة التبشيرية لا يُقاس بمجرد عدد المشاهدات أو المتابعين أو انتشار العظات على الإنترنت، بل بمدى إسهامها في تعميق الإيمان، وتعزيز الانتماء الكنسي، وترسيخ الحياة الروحية، وربط المؤمنين بالجماعة الكنسية.
خامساً: الحاجة إلى سياسة كنسية واضحة لتنظيم الوعظ الرقمي
في ضوء ما تقدّم، تبرز الحاجة إلى وضع سياسة كنسية واضحة تنظم الوعظ والتعليم الإنجيلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدّد الضوابط اللاهوتية والطقسية والرعوية التي ينبغي الالتزام بها، سواء من قبل الكهنة أو العلمانيين المخوّلين بممارسة هذا العمل.
وينبغي أن تتناول هذه السياسة جملة من المسائل الأساسية، من بينها:
- تحديد المرجعيات اللاهوتية والكنسية المعتمدة في إعداد العظات والمواد التعليمية، وضمان انسجامها مع إيمان كنيسة المشرق وتراثها.
- توضيح الصلاحيات والمسؤوليات الممنوحة للكهنة والعلمانيين في مجال الوعظ والتعليم الإنجيلي، وفقاً للأنظمة والتقاليد الكنسية المعتمدة.
- تنظيم استخدام اللغات المختلفة في التعليم والوعظ، بما يلبّي الاحتياجات الرعوية للمؤمنين، مع ضمان المحافظة على اللغة الآشورية الطقسية وتعزيز حضورها.
- حماية دور الكهنة المحليين ومكانتهم الرعوية، وتشجيع المؤمنين على الاستمرار في المشاركة الفعلية في حياة رعاياهم.
- تحديد الأهداف الرعوية والتبشيرية للوعظ الرقمي، وتقييم مدى إسهامه في خدمة الكنيسة وتعزيز رسالتها، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات الانتشار والمشاهدة.
إن المطلوب ليس بالضرورة رفض التكنولوجيا الحديثة أو إقصاء الوسائل الرقمية من العمل الكنسي، بل توظيفها بصورة واعية ومنظّمة، بحيث تكون أداة فاعلة في خدمة الرسالة الإنجيلية، لا عاملاً يؤدي إلى إضعاف الحياة الرعوية أو تهميش التراث الطقسي أو تشتيت المؤمنين بين مصادر متعددة للتعليم الديني من دون مرجعية كنسية واضحة.