ولقد كان المرءُ في سالف العصور إذا عاهد، حفظ، وإذا أحبّ، أخلص، وإذا أقبل، أقبل بوجهه وقلبه، حتى غدا الوفاءُ خُلُقا تُعرف به الرجال، وتُوزن به المروءات، وتُصان به الودائع، أمّا في زماننا هذا، فقد استحالت بعضُ العهود إلى ألفاظٍ تُقال عند الرضا، وتُنسى عند أول اختلاف، وأضحى الودُّ عند بعض النفوس ثوبا يُلبس في ساعة الحاجة، ويُخلع حين تنقضي المصلحة، كأنّ القلوبَ "دولارا" في العراق يتغير بين ليلة وضحاها، والمشاعرَ سلعٌ تتبدّل قيمتُها بتبدّل الطلب.
ولعلّ أشد ما يبتلي به المرءُ في علاقاته أن يُحسن الظنَّ بمن لا يُحسن الثبات، وأن يبني من الوعود قصرا، ثم يكتشف أنّ أساسه لم يكن إلا رملا ذرّته أولُ ريح يُقبل عليك بعضُهم إقبالَ المشتاق، ويُكثر من القول حتى يخالُ المرءُ أنّ بينهما عهدا لا تنقضه السنون، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف له وجهًا آخر؛ فيرى من الجفاء ما لا يتّسع له تفسير، ومن التبدّل ما لا ينهض له عذر، حتى يعود يسائل نفسَه: أكان الودُّ صادقا ثم مات، أم كان وهْما أحسنَ صاحبه تمثيلَه؟
وما أعجبَ النفوسَ حين تتقلّب! تُدنيكَ إذا احتاجت إليك، وتُبعدكَ إذا استغنت عنك، وتمنحكَ من عبارات الودّ ما يملأ قلبك طمأنينة، ثم تسلبكَ تلك الطمأنينة في لحظةٍ لا تجد لها سببا ظاهرا فإن سألتَ عن العهد، قيل لك: تغيّرت الظروف؛ وإن سألتَ عن الودّ، قيل لك: تبدّلت الأحوال؛ وإن طلبتَ تفسيرا، وجدتَ من الأعذار ما يكفي لفتح أبوابٍ لا تنتهي، ولا يكفي لإغلاق جرحٍ واحد.
وكأنّ بعضَ القلوب قد تعلّمت من الأسواق تقلّبَ الأسعار، ومن التجّار حُسنَ المساومة، ومن أهل السياسة فنَّ الانتقال بين المواقف؛ فهي لا تمنحك من مودّتها إلا بمقدار ما تقتضيه حاجتُها، ولا تحفظ لك من مكانتك إلا ما تضمن به منفعتَها فإذا تغيّر ميزانُ الربح والخسارة، تغيّر معه ميزانُ القرب والبعد، وصار ما كان بالأمس عهدا وثيقا خبرا قديما لا يستحقّ الالتفات.
ولعلّ أبلغَ ما يُشبَّه به هذا التقلّبُ ما يجري في أسواق العراق من تغيّر سعر الدولار؛ إذ يُصبح المرءُ على قيمة، ويُمسي على أخرى، ويحسب أنّه أدرك السعر، فإذا بالسوق تفاجئه بما لم يحتسب وكذلك بعضُ النفوس؛ لا تستقرّ على ميثاق، ولا تألف حالا، ولا تُقيم للثبات وزنا، حتى ليخيّل إليك أنّ مودّتها تُسعَّر كلَّ صباح، وأنّ مكانتك عندها تخضع لنشرة أخبارٍ لا يعلم موعدَ صدورها إلا تقلّبُ الهوى.
غير أنّ الفرقَ بين السوق والقلب عظيم؛ فالسوقُ تُعلن أسعارها، وإن غالت، أمّا بعضُ النفوس فتُخفي أثمانها حتى تدفعك إلى آخر ما تملك، ثم تُخبرك أنّ الصفقة لم تكن مُلزِمة، وأنّ ما حسبتَه عهدا لم يكن إلا لحظةَ عاطفة، وما فهمتَه إخلاصا لم يكن إلا حسنَ تدبير.
ومن هنا تبدأ محنةُ الإنسان مع نفسه؛ فهو لا يتألّم دائما لأنّ أحدا تغيّر، بل لأنّه ظلّ وفيّا لصورةٍ قديمةٍ لم تعد موجودة، ولأنّه يحاكم الحاضرَ بعهود الماضي، ويطلب من اليوم أن يُشبه الأمس، ومن القلب الذي تبدّل أن يعود إلى ما كان عليه ويظلّ يُفتّش في الكلمات القديمة، ويستعيد المواقف، ويقلّب الذكريات كما يقلّب التاجرُ دفاتره، لعلّه يجد دليلا يُثبت أنّ ما عاشه كان حقيقة، وأنّ ما فقده لم يكن مجرّد وَهْمٍ أجاد قلبُه تصديقَه.
وما علم أنّ بعضَ الخسارات لا تحتاج إلى دليل، وأنّ بعضَ الحقائق لا تظهر إلا بعد فوات الأوان، وأنّ الإنسان قد يُمضي أعواما يُحسن قراءة الآخرين، ثم تعجزه صفحةٌ واحدة من كتاب قلبٍ أحبّه ولعلّ البلاء ليس في أن نُخطئ معرفة الناس أول مرة، فذلك من طبيعة البشر، وإنّما البلاء أن نُصرّ على الخطأ بعد أن تتكاثر الشواهد، وأن نُسمّي التعلّق وفاءً حين يصبح استنزافا، وأن نسمّي الانتظار صبرا حين لا يكون في آخر الطريق إلا مزيدٌ من الخيبة.
وليس من الحكمة أن يُغلق المرءُ أبواب قلبه دون الناس جميعا، ولا أن يجعل من تجربةٍ واحدة حكما على الدنيا بأسرها؛ فإنّ في الناس أوفياءَ لا تغيّرهم المنافع، وأصحابَ عهودٍ لا تُضعفهم المسافات، وقلوبا إذا أحبّت صانت، وإذا وعدت أوفت، وإذا اختلفت لم تجعل من الاختلاف ذريعةً إلى إهدار الكرامة ولكنّ الحكمة أن يُفرّق المرء بين من يتغيّر عارضا ومن اتّخذ التغيّر طبعا، وبين من تعتريه قسوةُ الظروف ومن يتّخذ الظروف ستارا لقسوةٍ كامنة، وبين من يعتذر لأنّه أخطأ، ومن يعتذر كي يُمهّد لخطأٍ جديد.
ولقد كان أهلُ الحكمة يقولون إنّ الرجال تُعرف عند الشدائد، وإنّ المعادن لا تُختبر في ساعات الرخاء؛ فالوفاءُ الذي لا يظهر إلا حين تكون الأمور على هوى صاحبه ليس وفاءً كاملا، والودُّ الذي يعيش في ظلّ المصلحة لا يصمد إذا غابت المصلحة، والعهدُ الذي يحتاج في كلّ يومٍ إلى شاهدٍ جديد ليس عهدا تطمئنّ إليه النفوس.
وما أحوجَ الإنسان إلى أن يتعلّم فنَّ الانسحاب الكريم؛ لا انسحابَ العاجز الذي أثقلته الهزيمة، بل انسحابَ العارف الذي أدرك أنّ بعض المعارك لا يُرجى من الانتصار فيها إلا مزيدٌ من الخسائر أن يترك الباب مفتوحا للسلام، لا مفتوحا للإهانة، وأن يحفظ للآخرين حقّهم في الاختيار، دون أن يتنازل عن حقّه في الكرامة، وأن يعلم أنّ المحبّة لا تُستجدى، وأنّ الودّ لا يُستخرج من القلوب استخراجا، وأنّ من أراد البقاء وجد ألفَ سبيل، ومن أراد الرحيل جعل من أبسط الأسباب طريقا إلى الغياب.
فليس كلُّ ابتعادٍ خسارة، ولا كلُّ فراقٍ هزيمة، ولا كلُّ من غادر يستحقّ أن يُستعاد قد يكون الرحيلُ أحيانا آخرَ أبواب النجاة، وقد يكون الصمتُ أبلغَ من ألف عتاب، وقد تكون المسافةُ التي يصنعها العقل بينه وبين القلب هي المسافةَ الوحيدة التي تحفظ للإنسان ما بقي من نفسه.
وليس الكريمُ من يُكثر الحديث عن كرامته، بل من يعرف متى يصونها وليس الحكيمُ من ينتصر في كلّ جدال، بل من يعرف أيَّ جدالٍ لا يستحقّ الدخول فيه وليس الوفيُّ من يظلّ واقفا على أبواب من لا يفتح له، بل من يحفظ للودّ قدره، فلا يحوّله إلى رجاءٍ مذلّ، ولا يجعل من الذكريات قيودا تمنعه من رؤية الحقيقة.
وإذا كان تقلّبُ الدولار في العراق قد علّم الناس أن لا يطمئنّوا إلى سعرٍ قبل أن يستقرّ، فإنّ تقلّبَ النفوس ينبغي أن يُعلّمنا ألّا نربط مصائرنا بوعودٍ لا تسندها الأفعال فالكلمةُ الجميلة لا تكفي لإثبات المودّة، والاعتذارُ المتكرّر لا يمحو أثرَ الخطأ إذا ظلّ الخطأ يتكرّر، والعودةُ بعد الغياب لا تعني بالضرورة أنّ صاحبها عرف قيمة من ترك، فقد يعود المرءُ أحيانا لأنّ الطريق الآخر لم يفتح له أبوابه.
وكم من إنسانٍ ظنّ أنّه لا يستطيع العيش من دون شخصٍ بعينه، ثم مضت الأيام فكشفت له أنّه كان يخشى الفراغ أكثر مما يخشى الفقد، وأنّه كان يتعلّق بما اعتاده لا بما يستحقّه، وأنّ القلب إذا أُمهل قليلا رأى من الحقائق ما كانت العاطفةُ تحجبه عنه طويلا عندها يدرك أنّ الحياة لا تتوقّف عند غياب أحد، وأنّ الذين يرحلون لا يأخذون معهم أعمارنا إلا إذا سلّمناهم إيّاها، وأنّ المرء يستطيع أن يحزن دون أن ينكسر، وأن يشتاق دون أن يعود، وأن يسامح دون أن يمنح الفرصة ذاتها مرّةً أخرى.
وهنا تتجلّى الحكمة في أبهى صورها: أن تُبقي قلبك نقيّا دون أن تجعله مستباحا، وأن تحسن الظنّ دون أن تُعطّل عقلك، وأن تمنح الودّ دون أن تُفرّط في قدرك، وأن تفهم تقلّب الآخرين دون أن تسمح لتقلّبهم بأن يُفقدك ثباتك. فليس المطلوب أن نصير أشدّ قسوةً من الذين آذونا، بل أن نصير أشدّ بصيرةً بمن نمنحهم موضعا في حياتنا.
ولعلّ أجمل ما يبلغه الإنسان بعد طول التجربة أن يتوقّف عن سؤال المتقلّبين: لماذا تغيّرتم؟ وأن يبدأ بسؤال نفسه: لماذا أصررتُ على انتظار الثبات ممّن أثبتت الأيام أنّه لا يعرفه؟ فبعضُ الأسئلة لا تأتي إجاباتها من أفواه الناس، بل من نضجنا بعد الخيبة، ومن قدرتنا على النظر إلى الوقائع دون أن نُلبسها ثوب الأماني.
فإن وجدتَ في حياتك من تتبدّل مودّتُه بتبدّل مصلحته، ومن يتغيّر مقامُك عنده بتغيّر حاجته، فلا تُكثر الوقوف على أبوابه، ولا تُهدر عمرك في محاسبة قلبٍ لا يريد أن يُحاسب نفسه خذ من التجربة حكمتَها، ومن الخيبة بصيرتَها، ومن الغياب درسَه، ثم امضِ في طريقك مرفوعَ الرأس؛ فما خُلقتَ لتكون رقما في حسابات الآخرين، ولا لتقيس قيمتك بمقدار ما يمنحونك من اهتمام، ولا لتظلّ أسيرَ سوقٍ تتغيّر أسعارها كلّما تغيّر هوى أصحابها.
إنّ أعظم الغنى أن يعرف المرء قدر نفسه، وأعظم الثبات أن لا يتبدّل مبدؤه بتبدّل الناس، وأعظم الانتصار أن يخرج من التجربة محتفظا بنقاء قلبه، دون أن يسمح لأحدٍ بأن يستثمر ذلك النقاء ضدّه.
فإن تقلّبتْ كالدولار في العراق، فكنْ أنت أثبتَ من الذهب؛ فإنّ السوقَ لا تُؤتمن، والكرامةَ لا سعرَ لها، ومن جعل مودّتَه رهينةَ تقلّب الأهواء، فلا تجعل قلبَك رهينةَ تقلّبه.
وليس كلُّ ما يرتفع سعرُه يزداد قيمة، ولا كلُّ ما ينخفض قدرُه يستحقّ الرثاء؛ ففي أسواق المال تتبدّل الأرقام، أمّا في أسواق النفوس، فالمروءةُ هي العملة التي لا يزهد فيها إلا من أفلس من المعنى.