
طبقٌ يروي حكاية أرضٍ مقاوِمة | مصدر الصورة: متداول على الشبكة
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: رومي الهبر
بيروت, الاثنين 2 مارس، 2026
في زمن الصوم، يبحث كثيرون عن وصفات خالية من اللحوم تُناسِب هذه المرحلة الروحيّة. والمطبخ اللبنانيّ غنيّ بأطباق نباتيّة، بعضها يحمل حكاية تاريخيّة متجذّرة في هويّة هذه الأرض.
من بين هذه الأطباق، كُبَّة الرّاهِب أو كبّة الحِيلة التي تخبر قصّة صمود وإيمان عبر الأجيال. كبّة الراهب هي كبّة بلا لحم، لكنّ نكهتها غنيّة، وتعتمد على دَعك البرغل جيّدًا مع توابل، وتُحشى أحيانًا بخليط نباتيّ (عدس أو خضار). كانت وصفة اقتصاديّة، وسهلة التحضير، ما جعلها طبقًا مثاليًّا في أوقات الشدّة. تُعرَف كبّة الراهب أيضًا باسم كبّة الحيلة، ويحمل الاسمان دلالات تاريخيّة ولغويّة عميقة. وهي ليست مجرّد طبق نباتيّ يُحضَّر في زمن الصوم، بل وصفة وُلدت من الحاجة، وتحوّلت إلى رمز للقوّة والصمود.
يُقال إنّ جذور اسم الحيلة يعود إلى السريانيّ «حايلو»، أي القويّ. وهنا مفارقة جميلة: طبق بسيط من البرغل والخضار، بلا لحم، لكنّه يمنح القوّة ويُشبع طويلًا. وفي التراث الشعبيّ قيلَ بالعامّيّة إنّ «البرغل مسامير الرُّكَب»، أي إنّ البرغل يُقوّي الركبتَين ويمنح الجسد ثباتًا، كأنّه مسامير تُثبِّت المفاصل. هذا المثل يعكس مكانة البرغل في المطبخ الجبليّ، خصوصًا في شمال لبنان.
تعود الروايات الشعبيّة إلى زمن الحملات العسكريّة على المناطق الجبليّة، ومنها جبّة بشرّي. يروي البعض أنّ ذلك حصل في عهد المماليك، فيما ينسب آخرون القصّة إلى الحقبة العثمانيّة. واستنادًا إلى إحدى الروايات المتناقلة، كانت السلطات تُجبر المسيحيّين أحيانًا على أكل اللحم يوم الجمعة لكسر صومهم، فكانت كبّة الحيلة وسيلة تحايُل: تبدو كأنّها كبّة عاديّة، لكنّها في الحقيقة خالية تمامًا من اللحم.
جزءٌ من الهويّة
أمّا اسم كبّة الراهب فارتبط لاحقًا بالأديرة: الرهبان الذين عاشوا حياة تقشّف واعتماد على خيرات الأرض، تبنّوا هذه الوصفة لملاءمتها قوانين الصوم. فهي خالية من اللحوم ومشتقّات الحيوان، وتعكس بساطة الحياة النسكيّة. هكذا اجتمع الاسمان في طبق واحد: راهِب، دلالة على التقشّف والصوم، وحيلة دلالة على الصمود في وجه الظروف.
كبّة الراهب ليست بديلًا فقيرًا من الكبّة باللحم، بل هي شاهدةٌ على قدرة المجتمعات الجبليّة على التكيّف. هي وصفة وُلدت من التحدّيات السياسيّة والعسكريّة، وترسّخت في الذاكرة الجماعيّة بوصفها جزءًا من الهويّة. في زمن الصوم، حين نتناول هذا الطبق، لا نتذوّق البرغل وزيت الزيتون فحسب، بل نتذوّق حكاية أرضٍ قاومت، وناسٍ وجدوا في البساطة قوّة.