
عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/
ترأس قداسة البابا لاوُن الرابع عشر عصر الأربعاء في بازيليك القديسة سابينا في روما القداس الإلهي ورتبة تبريك الرماد في بدء زمن الصوم المبارك وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها في بداية كل زمن ليتورجي، نكتشف من جديد وبفرح متجدد نعمة كوننا كنيسة، جماعة مدعوة للإصغاء إلى كلمة الله. لقد وافانا النبي يوئيل بصوته الذي يُخرج كل فرد من عزلته، ويجعل من الإرتداد ضرورة ملحة، شخصية وعامة في آن واحد: "إِجمَعوا الشَّعبَ وقَدِّسوا الجَماعَة واحشُدوا الشُّيوخ واجمَعوا الأطفالَ وراضِعي الأَثْداء". هو يذكر الأشخاص الذين لن يكون من الصعب تبرير غيابهم: الأكثر ضعفاً والأقل ملاءمة للتجمعات الكبيرة. ثم يذكر النبي العريس والعروس: يبدو كأنه يدعوهما للخروج من خصوصيتهما لكي يشعرا بأنهما جزء من جماعة أكبر. ثم يأتي دور الكهنة، الذين يتواجدون - بحكم الواجب تقريباً – "بين الرواق والمذبح"؛ وهم مدعوون للبكاء وإيجاد الكلمات المناسبة للجميع: "أشفق يا رب على شعبك".
تابع الأب الأقدس يقول يشكّل زمن الصوم، اليوم أيضًا، زمنًا قويًّا للجماعة: "إِجمَعوا الشَّعبَ وقَدِّسوا الجَماعَة". نحن نعلم كم يزداد الأمر صعوبة لجمع الأشخاص والشعور بأننا "شعب"، ليس بطريقة قومية وعدوانية، بل في شركة يجد فيها كل فرد مكانه. بل وأكثر من ذلك، يتشكل هنا شعب يعترف بخطاياه، أي بأن الشر لا يأتي من أعداء مفترضين، وإنما قد لمس القلوب، وهو كائن داخل حياة كلِّ فرد منا ويجب مواجهته بتحمل مسؤولية شجاع. يجب أن نعترف بأن هذا موقف معاكس للتيار، ولكنه يشكل بديلاً حقيقياً، صادقاً وجذاباً، في زمن صار فيه من الطبيعي إعلان العجز أمام عالم يحترق. نعم، إنَّ الكنيسة موجودة أيضاً كنبؤة لجماعات تعترف بخطاياها.
أضاف الحبر الأعظم يقول إنَّ الخطيئة بالتأكيد، هي دائماً شخصية، لكنها تتجسد في البيئات الواقعية والافتراضية التي نرتادها، وفي المواقف التي نؤثر بها على بعضنا البعض، وليس من النادر أن يكون ذلك داخل "هيكليات خطيئة" حقيقية ذات طابع اقتصادي وثقافي وسياسي وحتى ديني. إن مواجهة الوثنية بالإله الحي - كما يعلمنا الكتاب المقدس - تعني الجرأة على الحرية واستعادتها من خلال "خروج"، أي مسيرة. فلا نعود مشلولين، متصلبين، واثقين في مواقفنا الخاصة، بل مجتمعين للتحرك والتغيير. كم هو نادر أن نجد بالغين يتوبون، أو أشخاصاً وشركات ومؤسسات يعترفون بأنهم أخطأوا!
تابع الأب الأقدس يقول واليوم، بيننا، يتعلق الأمر تحديداً بهذه الإمكانية. وليس من قبيل الصدفة أن يشعر العديد من الشباب، حتى في السياقات العلمانية، أكثر من الماضي بنداء هذا اليوم، أربعاء الرماد. فهم، في الواقع، أي الشباب، يدركون بوضوح أن طريقة عيش أكثر عدلاً هي أمر ممكن، وأن هناك مسؤوليات عما لا يسير بشكل جيد في الكنيسة وفي العالم. لذا، يجب البدء من حيث يمكن ومع من يقبل السير معنا. "َها هُوَذا الآنَ وَقتُ القَبولِ حَقًّا، وَها هُوَذا الآنَ يَومُ الخَلاص". فلنشعر إذاً بالبعد الإرسالي للصوم، لا لننشغل عن العمل على ذواتنا، بل لنفتحه أمام الكثير من الأشخاص القلقين وذوي الإرادة الصالحة، الذين يبحثون عن سبل لتجديد حقيقي للحياة، في أفق ملكوت الله وعدله. "فلِماذا يُقالُ في الشُّعوبِ: أَينَ إِلهُهم". سؤال النبي هو بمثابة مهماز. هو يذكرنا بتلك الأفكار التي تخصنا وتنشأ بين الذين يراقبون شعب الله من الخارج. إنَّ الصوم في الواقع يحثنا على تغيير المسار - أي الارتداد - الذي يجعل إعلاننا أكثر مصداقية.
أضاف الحبر الأعظم يقول لستين سنة خلت، وبعد أسابيع قليلة من اختتام المجمع الفاتيكاني الثاني، أراد القديس بولس السادس أن يحتفل علانية برتبة الرماد، ليجعل تلك البادرة التي نحن بصدد القيام بها اليوم مرئية للجميع، وذلك خلال مقابلة عامة في بازيليك القديس بطرس. وتحدث عنها كـ "مراسم توبة صارمة ومؤثرة"، تصدم الحسّ العام وتتقاطع في الوقت نفسه مع تساؤلات الثقافة. وقال: "قد نتساءل، نحن المعاصرين، عما إذا كانت هذه التربية لا تزال مفهومة. ونجيب بالإيجاب. لأنها تربية واقعية. إنها تذكير صارم بالحقيقة. يعيدنا إلى الرؤية الصحيحة لوجودنا ومصيرنا".
تابع الأب الأقدس يقول هذه "التربية على التوبة" - كما قال بولس السادس – "تفاجئ الإنسان المعاصر من جانبين": الأول هو "قدرته الهائلة على الوهم، والإيحاء الذاتي، والخداع الممنهج لنفسه حول واقع الحياة وقيمها". والجانب الثاني هو "التشاؤم الجذري" الذي كان البابا مونتيني يلمسه في كل مكان: "إن معظم الوثائق الإنسانية التي تقدمها لنا الفلسفة والأدب والعروض اليوم - كما قال - تنتهي إلى إعلان العبث المحتوم لكل شيء، والحزن الهائل للحياة، وماورائِيّة العبث والعدم. وهذه الوثائق هي مدحٌ للرماد". يمكننا اليوم أن نتعرّف على النبوءة التي احتوتها هذه الكلمات، ونشعر في الرماد الذي يوضع علينا بثقل عالم يحترق، بمدن بأكملها دمرتها الحرب: رماد القانون الدولي والعدالة بين الشعوب، رماد أنظمة بيئية كاملة والوئام بين البشر، رماد الفكر النقدي وأشكال الحكمة المحلية القديمة، رماد ذلك الشعور بالمقدس الذي يسكن في كل خليقة.
أضاف الحبر الأعظم يقول "أَينَ إِلهُهم"، تتساءل الشعوب. نعم، أيها الأعزاء، إنَّ التاريخ يسألنا ذلك، وقبله الضمير: أن نسمي الموت باسمه، وأن نحمل علاماته علينا، ولكن أن نشهد للقيامة. إن الاعتراف بخطايانا لكي نرتدَّ هو استشراف وشهادة للقيامة: هو يعني في الواقع ألا نتوقف عند الرماد، بل أن ننهض ونعيد البناء. حينها ستفجِّر "الثلاثية الفصحية"، التي سنحتفل بها في ذروة مسيرة الصوم، كل جمالها ومعناها. وسيحدث هذا بعد أن نكون قد شاركنا، من خلال التوبة، في العبور من الموت إلى الحياة، ومن العجز إلى إمكانات الله.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول لذلك، يلمع الشهداء القدامى والمعاصرون كرواد في مسيرتنا نحو الفصح. إن التقليد الروماني القديم لـ "محطات الصوم"، " stationes" - والتي تعد محطة اليوم أولها - هو تقليد تربوي: فهو يشير إلى التحرُّك كحجاج، وإلى التوقف - statio - عند "ذكريات" الشهداء، حيث تقوم كنائس روما. أليس هذا حثاً لنا لنتتبع آثار الشهادات الرائعة التي تنتشر الآن في جميع أنحاء العالم؟ لنتعرف على أماكن وقصص وأسماء الذين اختاروا درب "التطويبات" وتحملوا عواقبها حتى النهاية. إنهم حشد من البذور التي، حتى عندما بدت وكأنها تتبدد ودُفنت في الأرض، أعدت الحصاد الوفير الذي يتوجب علينا نحن أن نجمعه. إن زمن الصوم، كما اقترح علينا الإنجيل، إذ يحرِّرنا من الرغبة في أن يرانا الناس بأي ثمن، يعلمنا بالأحرى أن نرى ما يولد، وما ينمو، ويدفعنا لخدمته. إنه الانسجام العميق الذي ينشأ في خفية من يصوم ويصلي ويحب، مع إله الحياة، أبانا وأب الجميع. إليه نعيد توجيه كياننا كله وقلبنا كله، برصانة وفرح.