

انتهت المرحلة الأولى من العمليّة السياسيّة السادسة في العراق، وحُسِم منصب رئاسة البرلمان لفريق الرئيس الأسبق للبرلمان (محمد الحلبوسي) وذلك بفوز رئيس كتلته البرلمانيّة (هيبت الحلبوسي)!
وكما توقّعت في مقالي السابق في صحيفة "عربي 21" الغرّاء يبدو أنّ المجلس السياسيّ الوطنيّ "السنّيّ" قد بدأ بالتراخي، وسيبقى، ربّما، مجرّد واجهة سياسيّة وإعلاميّة!
وكذلك حصل ما توقعناه بخصوص الترشّح الفرديّ حيث أعلن "مثنى السامرائي" ترشّحه بعيدًا عن "المجلس السياسيّ" ولكنّه عاد، مُرغمًا، وسَحَب ترشّحه مقابل حصوله على وجبة دسمة من الوزارات والمناصب!
دستوريًّا أعلن رئيس مجلس النوّاب فتح باب الترشّح لمنصب رئيس الجمهوريّة لغاية 5 كانون الثاني/ يناير الحاليّ، وهي المرحلة الثانية بالعمليّة السياسيّة، على أن يُحْسَم المنصب خلال 30 يومًا!
ورغم أنّ الدورات الماضية والحاليّة سَجّلت تَرشّح بعض السياسيّين والمستقلّين لمنصب رئيس الجمهوريّة، إلا أنّهم يَعلمون جيّدًا بأنّ الأمر مَحْسوم كون القضيّة مُتّفقًا عليها بين الكيانات السياسيّة الكبرى، وقد جَرَى العرف السياسيّ بأن يكون منصب رئاسة الجمهوريّة للمكوّن الكرديّ، وتحديدًا لحزب "الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ"، وقد أُنيط المنصب بداية، ولولايتين، لرئيس الحزب الراحل "جلال طالباني" 2005 – 2014، ثمّ لفؤاد معصوم، 2014 – 2018، وبعدهما لبرهم صالح، 2018 – 2022، وأخيرًا لعبد اللطيف رشيد 2022 – حتّى الآن!
والسؤال اليوم مَن سيكون الرئيس القادم للعراق؟
طبيعيًّا، تتّجه الأنظار إلى الملعب الكرديّ حيث الصراع على مَنصب رئاسة الجمهوريّة!
وعمليًّا نشير إلى أنّ الحزبين الكرديّين الكبيرين، الديمقراطيّ الكردستانيّ "البارتي" بأربيل بزعامة الرئيس مسعود البرزاني، والاتّحاد الوطنيّ بالسليمانية بزعامة بافل الطالباني هما أبرز أحزاب الإقليم المتنافسة!
ومن أعراف الإقليم السياسيّة، منذ العام 2005، تَوَلّي "الحزب الديمقراطيّ" رئاسة الحكومة والإقليم بأربيل، مقابل منصب رئاسة الجمهوريّة ببغداد للاتّحاد الوطنيّ، ولكنّ "الاتّحاد" يَحلم، حاليًّا، بسحب بعض المناصب "الكرديّة الداخليّة" من "الحزب الديمقراطيّ" وبالمقابل فإنّ "حزب البرزاني" يسعى لقلب العرف السياسيّ بحصول "الاتّحاد" على منصب رئيس الجمهوريّة، وأكّدوا "حزب البرزاني" رغبتهم بالحصول على منصب رئاسة الجمهوريّة كاستحقاق انتخابيّ، وخصوصًا بعد حصولهم على (27) مقعداً من أصل 58 مقعدًا حصّة الإقليم، وهذه أعطتهم جُرعة منشّطة كبيرة للمطالبة بالمناصب الكبرى على مستوى الإقليم والعراق!
واقعيًّا ينبغي بيان حالة التداخل والتنافر المتعلّقة بتقسيم المناصب الكرديّة بينهما ضمن حكومة الإقليم بأربيل، والمركز ببغداد، ولغاية اليوم، لم تُشكّل حكومة الإقليم رغم مضي أكثر من عام على انتخابات الإقليم البرلمانيّة حيث إنّ القوى الكرديّة لم تتّفق على تقسيم مناصب الإقليم، وخصوصًا رئاسة الإقليم، والهيئة الرئاسيّة للبرلمان!
وَمَن تابع انتخابات رئاسة مجلس النوّاب العراقيّ بخصوص منصب النائب الثاني لرئيس المجلس، قبل أسبوعين، وعدم تمكّن مرشّح "الحزب الديمقراطيّ"، وخلال جولتين، من التقدّم على المرشّح الكرديّ الآخر، ولاحقًا أجرى "الحزب الديمقراطيّ" اتّصالات مكثفة، أعقبتها تهديدات صريحة بالانسحاب من العمليّة السياسيّة، ولاحقًا، أثمرت ضغوطهم السياسيّة، عن فوز مرشّحهم الجديد "فرهاد الأتروشي" بالمنصب بأريحيّة!
والذي نُريد أن نصل إليه هو أنّ الخلافات الداخليّة الكرديّة ستَنْعَكس على معركة تَسْمية الرئيس القادم للجمهوريّة!
وقد كانت رسالة الرئيس مسعود بارزاني، قبل أسبوعين، بمثابة خارطة طريق للجميع، وذلك بتحديدها الجهات التي ستختار مرشّح الرئاسة، وهي: "برلمان كردستان، أو الأطراف الكردستانيّة، أو النوّاب الكرد بمجلس النوّاب العراقيّ"، وليس شرطاً أن يكون من الحزبين الكبيرين ويمكن أن يكون من طرف آخر أو شخصيّة مستقلّة". والأهمّ أن "يمثّل شعب كردستان بمنصب رئاسة الجمهوريّة"!
والشرط الأخير يمثّل مرحلة متقدّمة بالفكر السياسيّ التي تُقدّم مصلحة المكوّن على الأشخاص، ويُفترض أن يُعْمَل بها ببقيّة المناصب السياديّة وغيرها خَدمة للوطن والمواطن الذي أرهقته سياسة المتاجرات!
ورغم "رسالة البرزاني" المهمّة لم يتّفق القادة الكرد، حتّى الساعة، على مرشّح واحد، وقد أعلن مجلس النوّاب العراقيّ، الاثنين الماضي، عن قائمة تضم 44 مرشحًا لرئاسة الجمهوريّة، بعضهم من العرب والمستقلّين، وأبرزهم المرشّح الرسميّ للاتّحاد الديمقراطيّ "نزار آميدي"، ودفع "الحزب الديمقراطيّ" بمرشّحين اثنين، وهما: فؤاد حسين، ونوزاد هادي، ووفقًا للدستور يتوجّب على مجلس النوّاب أن يَنتخب من بين المرشّحين رئيسًا للجمهوريّة، بأغلبيّة ثلثي الأعضاء!
وفي اليوم التالي لنهاية الترشّح للرئاسة اشترط الطالباني حصوله على جميع رئاسات الإقليم مقابل سحب مرشّحه لرئاسة الجمهوريّة!
والسيناريو الأبرز يتمثّل بحصول تفاهمات كرديّة – كرديّة، في الوقت الضائع للإبقاء على مرشّح واحد، وبعد توزيع السلطات بينهما "سواء على مستوى رئاسة الحكومة بأربيل، أو الوزارات السياديّة وغيرها ببغداد".
وتبقى التفاهمات الكرديّة هي الفيصل لتحديد الشخصيّة الأوفر حظًا لمنصب الرئاسة مِن بين الشخصيّات الثلاث المرشّحة رسميّا، أما بقيّة المرشّحين فحظوظهم ضعيفة جدًّا!
وبموجب التجارب الماضية فإنّ الفوز سيكون حصّة مَنْ يتّفق بالغرف المغلقة مع القوى السياسيّة الأخرى، وتبقى المفاجآت سيّدة الموقف خصوصًا عند اقتراب ساعة الحسم، ولا شيء يُحسم مبكّرًا!
وبيت القصيد يتلخّص بأنّ الأمل يظلّ معلّقًا بقيادة وطنيّة تُنهي معاناة الناس، وتسعى بصدق لإنصافهم، وانتشالهم من أوضاعهم المزرية.
جاسم الشمري
@dr_jasemj67