

بقلم: جميل دياربكرلي / المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان
أقباط متحدون : تُروى في أدبيات الرمز قصة "قطة الدير" كواحدة من أبلغ الصور التي تشرح ترهل الوعي البشري حين يسقط في فخ التقليد الأعمى. يحكى أن معلماً في أحد الأديرة، ولأجل حماية سكينة تلاميذه من مواء قطة كانت تجوب القاعات، أمر بربطها إلى عمود في الساحة طوال فترة التأمل المسائي. بمرور الزمن، رحل المعلم وبقي الرهبان يربطون القطة قبل الصلاة، وحين ماتت القطة الأصلية، لم يتوقف أحد ليسأل عن جدوى الفعل، بل سارعوا لشراء قطة أخرى ليربطوها في المكان ذاته! انتهى الأمر بأجيال لاحقة ألفت مجلدات في "السر الروحي لربط القطة"، معتقدين أن صلواتهم لا تُقبل، وأمن ديرهم لا يستقيم، إلا بوجود ذاك الحبل وتلك القطة المربوطة.
تطل هذه القصة برأسها اليوم ونحن نراقب المشهد السياسي العربي، وتحديداً تلك الظاهرة المثيرة للشفقة؛ ظاهرة "المؤيدين الجدد" الذين ورثوا السلطة أو التفوا حول نظام جديد، فإذا بهم يبحثون في ركام النظام الذي سبقه عن "القطة" و"الحبل". هؤلاء، وبدلاً من أن يؤسسوا لشرعية تقوم على دولة المؤسسات والقانون، استنبطوا "كتالوج" التشبيح والبلطجة ذاته، وبدأوا بممارسة أدوار "الحراسة القمعية" دون تفكير، ظناً منهم أن هذا هو الطريق الوحيد لحماية "الدير الجديد".
إن مأساة هؤلاء الوارثين تكمن في انشغالهم بـ "كيف" نثبت أركان الحكم، متجاهلين سؤال "لماذا" نكرر خطايا من سبقنا؟ إنهم يمارسون "التشبيح" كطقس وراثي، معتقدين أن الولاء للنظام لا يكتمل إلا بتبني أدوات البلطجة والترهيب وتخوين الآخر. لقد تحول "الحبل" في وعيهم من أداة قمع قبيحة إلى "ضرورة وطنية"، تماماً كما تحولت القطة المربوطة في الدير إلى شرط للقداسة.
ما يغيب عن هؤلاء هو حقيقة سياسية ساطعة: أن الأنظمة الحقيقية، الراسخة بعدالتها والمنسجمة مع كرامة إنسانها، لا تحتاج إلى "شبيحة" يذودون عن حياضها. فالنظام الذي يستمد قوته من بطش مؤيديه هو نظام هش، يعيش في أزمة شرعية دائمة، تماماً كصلاة الرهبان التي ارتهنت بقطة مربوطة. إن لجوء المؤيد الجديد إلى لغة القمع والبلطجة ليس دليلاً على القوة، بل هو اعتراف صريح بالعجز عن تقديم نموذج أخلاقي وقانوني مختلف.
إننا أمام استنساخ بائس للعبودية، حيث يظن المؤيد أنه يحمي "النظام الجديد" بينما هو في الواقع يحمي "النهج القديم". التحرر الحقيقي، الذي ننشده في فضاء حقوق الإنسان، يبدأ بجرأة السؤال: "لماذا نربط القطة؟". الوعي يبدأ حين يدرك المؤيد قبل المعارض أن الدولة القوية هي التي تحتمي بالقانون لا بالبلطجة، وأن كرامة المواطن هي الضمانة الوحيدة للاستقرار، وما دون ذلك ليس سوى حبال بالية وأعمدة خاوية، لقطط ماتت منذ زمن بعيد.