

في احدى الأمسيات وأثناء زيارتي لصديقي الشيخ، سألته ما الفرق بين كذبة نيسان وتطير الأفيال حسب اللهجة العراقية، ضحك ملء شدقيه ثم ورث سيجارته واخذ نفسا عميقاً وقال بهدوء: في احد الأيام كان القديس توما الإكويني مع أصدقائه في قاعة كبيرة، وكان أحد هؤلاء الأصدقاء يقف بجوار نافذة يطل منها للخارج، ثم وجه كلامه للقديس توما الذي كان يجلس بعيدا عن النافذة، قائلا له: تعال انظر ما أراه، فرد عليه الإكويني مستفسرا والدهشة تملأ وجهه ماذا ترى من النافذة، أجابه الصديق إنني أرى بقرة تطير في السماء! ولم يُكَذب الإكويني خبرا ، قام متجها نحو النافذة لعله يرى تلك البقرة التي تطير في السماء ، وراح يتطلع من النافذة في كل اتجاه وفي السماء ، فلم يكن هناك بقر أمامه على الأرض ولا في الفضاء تطير ، التفت القديس الإكويني إلى صديقه يسأله عن مكان البقرة التي أخبره انها تطير ، فضحك الصديق ساخرا من الإكويني وسأله : هل صدقت يا قديس أن بقرا يمكن أن يطير . رد القديس الإكويني بعبارة هي المقصودة بمعناها وهذا هو الأهم من وراء الحكاية كلها إذ قال موجها كلامه إلى صديقه في حزن عميق : إنني يا صديقي أتصور بقرا يطير ، ولا أتصور أبدا رجلا يكذب !
ثم استمر الشيخ بالكلام قائلا: صديقي، الحديث عن هذه المقارنة يحتاج إلى وقت وجهد ومجلدات تدون فيها أنواع الأكاذيب، فكذبة نيسان يحتفل العالم اليوم بمرور 451 عامًا على ظهورها في فرنسا عام 1564، وتحولت إلى نوع من الاحتفالات الساخرة لنشر الأخبار الكاذبة على سبيل المرح والمزح والضحك ليس إلا، وفي كل عام حيث ينتظر العالم شهر نيسان لاختراع كذبة تضفي الفرح عوضاً عن الأحداث المؤسفة على الساحة الدولية. هذه الكذبة لا تكون محزنة ولا تخدش صاحبها وضحيتها لأنها لها طعم خاص وأصبحت تقليعة متداولة بين الشعوب وانتقلت الى العراق لتكون احدى الممارسات الاجتماعية، جاءت للتوازن بين الجد والهزل في ظروف مليئة بالصعاب وتفقد دهشتها بسبب وسائل التواصل الاجتماعي لأنها تنتشر بسرعة ويضيف لها تعليقات تغير مضمونها وفكرتها.
الأول من نيسان يوم مقدس في إسبانيا، وفي المانيا يصادف يوم مولد الزعيم بسمارك ولهذا يحاول الشعب الألماني والإسباني الابتعاد عن كذبة نيسان لكن إغراء الكذبة يسيل لعاب الذين يفضلون المرح والضحك.
الزئبق الأحمر في ماكينات الخياطة نوع سنجر القديمة وأصبح الجميع يبحثون عنها ووصل سعرها عالي وهذه كذبة ونوع من المزح وراح ضحيتها الكثير من الذين اشتروا المكائن بأسعار عالية! أما تطير الأفيال فقد جاءت من عالم ديزني بعد اختراع أفلام الرسوم المتحركة، علمنا أن تلك الحيوانات الكبيرة والضخمة أصبحت طائرة، وتعريف تطير الأفيال يعني كذبة من العيار الثقيل أطلقت بين الناس واستطاع الساسة الغربيون أن يطيروا لنا الأفيال وتلقفها الساسة العراقيون وتدربوا عليها وهكذا نشأت فكرة طيران الأفيال وأصبحت ارض العراق من أكبر المطارات التي تهبط عليها الأفيال ومن ثقلها تهدمت وخربت حضارة وثقافة وآثار ومصانع وشوارع وبيوت العراق.
تعددت الأفيال الطائرة فمنها تحمل على ظهرها الطائفية والأخرى تحمل السياسة والحياة الاجتماعية والثقافية والتجارية والآثار، وكلما تفتح التلفزيون نشاهد مَنْ يطير الأفيال في الكهرباء وتوزيع الأراضي والمستشفيات ومنهم من يبث بشرى سارة أن فيل سيهبط لزيادة الرواتب وإنشاء شبكة للمجاري وتصدير الكهرباء والقضاء على الفساد الإداري وإصدار قوانين لخدمة المواطنين، و...و !
نحن الآن في زمن سيء فقدت فيه الخصال الحميدة وحل محلها خصال قبيحة سيئة وأهمها الكذب، لقد انتهى زمن الحق فالكذب والنفاق قد استشرى في جسد الوطن حتى النخاع، أصبح الكذب سياسة وصناعة فكل يوم نسمع بالكذب الأبيض والكذب السلبي والكذب الإيجابي والكل يعلم أن الكذب حرمه الله في وصاياه للإنسان، وأصبح الكذب آفة تنخر كل المؤسسات الحكومية ودوائر الدولة والجامعات، وإذا جمع ما قدم من كذب وأفيال طائرة سوف لا تسعه مجلدات ولهذا كانت الأفيال الطائرة سبباً في تأخير في بناء البلد.
لقد تحولت كل مؤسسات الدولة الى مصانع تنتج أفيال طائرة (كذب) يديرها منتفعون ومنافقون والذين يرددون كل يوم نحن العدل والمساواة نفكر بالمصلحة العامة والوطن، مدعين حبهم لمساعدة المواطن وتحت إمرته وبخدمته، وكل من يعمل بهذا المؤسسات دربهم المسئول الكاذب على فنون الكذب والنفاق وتطير الأفيال.
هناك مسئولون في وضح النهار يطيرون أفيال على الناس ، وتمر أفيالهم ( كذبتهم) من دون رقيب أو محاسبة ، ويبقى المساكين المواطنين يتذكرون الأفيال الطائرة ومن يديرها بحسرة وألم ، اصبحوا خبراء في تضليل العقول لا فرق بين كذب الأقوال و كذب الأفعال والكذبتين عبث بالأهواء وخذلان الحق واستعلاء الباطل ، فقد يخترع الكاذب كل يوم كذبة حتى يحافظ على الكذبة الأصلية ولا يدرك قدر الورطة التي يقع فيها فلن يكون الكاذب مطير الأفيال ناجحا لأنه لا يحتفظ بذاكرة قوية يتذكر أفياله الطائرة ، فهؤلاء يعملون بالمثل القائل الكذب (المصفط) أحسن من الحجي (المخربط) ، أي أن الرواية المتماسكة لو كانت كذبا اقوى من الراوية الصادقة الغير متماسكة .يقول معروف الرصافي: أصبحتُ لا أقيم للتاريخ وزناً ولا أحسب له حساباً لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضلال ومتشجم أهواء الناس. وصدق القديس الإكويني عندما قال أتصور بقرا
يطير، ولا أتصور أبدا رجلا يكذب.