
الأدلة المكتشفة في شانيدر تضع كوردستان العراق ضمن أبرز المناطق التي تساعد العلماء على دراسة حياة النياندرتال. صورة توضيحية مولدة بالذكاء الاصطناعي
عشتارتيفي كوم- تقرير خاص
لم تكن منطقة أربيل وكوردستان العراق مجرد مساحة جغرافية على أطراف بلاد الرافدين، بل تقع ضمن نطاق طبيعي وأثري بالغ الأهمية لفهم تحركات البشر القدماء في غرب آسيا. فجبال زاغروس وكهوفها ووديانها ومصادر المياه التي ربطت شمال العراق بغربي إيران ومرتفعات الأناضول، جعلت هذه المنطقة جزءاً من شبكة ممرات محتملة استخدمتها جماعات بشرية مختلفة خلال عصور ما قبل التاريخ، ومن بينها إنسان النياندرتال.
وتكتسب هذه الأهمية دعماً واضحاً من اكتشافات كهف شانيدر في إقليم كوردستان، الذي عُثر فيه على بقايا عدد من أفراد النياندرتال، فضلاً عن دراسات حديثة تحاول إعادة بناء الطرق البيئية التي أتاحت للبشر القدماء الانتقال بين جبال زاغروس والهضبة الإيرانية ومناطق غرب آسيا الأخرى.
شانيدر.. الدليل الأثري الأبرز على وجود النياندرتال في كوردستان
يُعد كهف شانيدر، الواقع في سفوح جبال برادوست شمال شرقي أربيل، واحداً من أشهر المواقع الأثرية المرتبطة بإنسان النياندرتال في العالم.
اكتسب الكهف شهرته بعد أعمال التنقيب التي قادها عالم الآثار الأميركي رالف سولِكي بين عامي 1951 و1960، والتي أسفرت عن اكتشاف بقايا عظمية تعود إلى عشرة أفراد من النياندرتال، بينهم رجال ونساء وأطفال. وقد شكّلت هذه المكتشفات نقطة تحول في دراسة حياة هذا النوع البشري وسلوكه الاجتماعي وقدرته على التكيف مع البيئة.
وتشير الأبحاث اللاحقة إلى أن بعض الأفراد الذين عُثر عليهم في الكهف عاشوا قبل نحو 45 إلى 50 ألف سنة، فيما تعود بقايا أخرى إلى فترة أقدم، تقارب 75 ألف سنة.
ووفقاً لمشروع كهف شانيدر الذي تشارك فيه جامعة كامبريدج ومديرية الآثار في إقليم كوردستان، استؤنفت أعمال التنقيب عام 2015، وأسفرت عن اكتشاف بقايا إضافية، من بينها الهيكل المعروف باسم «شانيدر زد» (Shanidar Z)، الذي يعود إلى فرد بالغ من النياندرتال عاش قبل نحو 70 إلى 75 ألف سنة.
وتشير هذه الاكتشافات إلى أن الكهف لم يكن محطة عابرة فحسب، بل مكاناً استخدمته جماعات النياندرتال خلال فترات زمنية متعاقبة، ما يجعله سجلاً مهماً لدراسة وجودهم في المنطقة.
لماذا كانت منطقة زاغروس مهمة لتحركات البشر القدماء؟
لفهم أهمية أربيل وكوردستان، ينبغي النظر إلى موقعهما ضمن الامتداد الجغرافي لجبال زاغروس، التي تبدأ من شمال غربي إيران وتمتد جنوباً بمحاذاة مناطق واسعة من غرب إيران، فيما تتصل في شمالها بالمناطق الجبلية في كوردستان العراق ومرتفعات الأناضول.
هذا الموقع جعل المنطقة تقع بين عدة نطاقات جغرافية مهمة:
ولم تكن الجبال بالضرورة عائقاً أمام الإنسان القديم؛ ففي بعض الظروف المناخية، وفّرت الأودية والممرات الطبيعية والينابيع والأنهار مسالك مناسبة للتنقل والصيد والبحث عن الغذاء.
ومن هنا تأتي أهمية شمال زاغروس، إذ يمكن أن يكون جزءاً من شبكة ممرات ربطت بين مناطق غرب آسيا والهضبة الإيرانية، وساعدت على انتقال الجماعات البشرية وتفاعلها عبر فترات طويلة.
المناخ والمياه.. العامل الحاسم في رسم طرق الهجرة
لم تكن تحركات النياندرتال والبشر القدماء مرتبطة بالموقع الجغرافي وحده، بل تأثرت بدرجة كبيرة بالتغيرات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال العصر البليستوسيني، المعروف أيضاً بالعصر الحديث الأقرب، والذي امتد خلاله عدد من الفترات الجليدية والفترات الأكثر دفئاً ورطوبة.
فخلال الفترات الأكثر رطوبة، كانت مصادر المياه والغطاء النباتي أكثر انتشاراً في مناطق معينة، الأمر الذي أتاح للحيوانات والبشر التحرك عبر مساحات أوسع. أما في الفترات الأكثر جفافاً، فقد تراجعت بعض هذه الممرات، وأصبحت الجماعات البشرية أكثر اعتماداً على المناطق التي احتفظت بالمياه والموارد الطبيعية.
وفي دراسة علمية نُشرت عام 2023 في مجلة PLOS ONE بعنوان «تحديد المسارات المناخية القديمة وفرص انتشار أشباه البشر عبر إيران»، استخدم الباحثون بيانات أثرية ومناخية ونماذج للمياه القديمة لتحديد الطرق المحتملة التي سلكتها الجماعات البشرية خلال العصر البليستوسيني.
وخلصت الدراسة إلى أن سلسلة جبال زاغروس مثّلت أحد المسارات المحتملة للتحركات البشرية باتجاه الشرق، وصولاً إلى مناطق باكستان وأفغانستان، كما حددت الدراسة مسارات أخرى في شمال إيران، كانت ظروف المياه فيها تسمح بالتنقل خلال فترات مناخية معينة.
وتشير نتائجها إلى أن توفر المياه كان عاملاً أساسياً في تحديد قدرة الجماعات البشرية على الانتقال بين المناطق الجغرافية المختلفة، وأن هذه الممرات لم تكن ثابتة، بل تغيرت أهميتها تبعاً للمناخ.
هل كانت أربيل نقطة انطلاق النياندرتال نحو أوروبا؟
هنا تبرز نقطة علمية مهمة تستحق التوضيح: لا توجد أدلة أثرية مباشرة تثبت أن أربيل كانت نقطة انطلاق النياندرتال نحو أوروبا.
فالنياندرتال كان موجوداً في أوروبا وغرب آسيا منذ فترات طويلة، ولا يمكن اختزال تاريخ انتشاره في اتجاه واحد أو في نقطة جغرافية محددة. وتشير الأدلة الأحفورية والأثرية إلى وجود جماعاته في مناطق واسعة امتدت من أوروبا إلى أجزاء من غرب آسيا، وصولاً إلى جبال زاغروس.
لذلك، فإن الأهمية العلمية لمنطقة أربيل وكوردستان تكمن في موقعها ضمن نطاق جغرافي يربط مناطق وجود النياندرتال في غرب آسيا بالأناضول والهضبة الإيرانية، وليس في إثبات أن جماعات النياندرتال انطلقت منها باتجاه أوروبا.
والأدق أن نتحدث عن ممرات محتملة لتحركات البشر القدماء وتواصل الجماعات البشرية بين المناطق، وليس عن طريق هجرة واحد مؤكد أو مسار محدد ثبت أن النياندرتال سلكه من أربيل إلى أوروبا.
وتؤكد دراسة منشورة عام 2024 حول إعادة بناء مناطق التداخل المحتملة بين النياندرتال والإنسان العاقل أن جبال زاغروس الإيرانية كانت منطقة ملائمة بيئياً لاحتمال تداخل نطاقات وجود النوعين، وربما حدوث تفاعل بينهما. لكنها تظل دراسة نمذجة جغرافية وبيئية، وليست دليلاً على واقعة محددة حدثت في موقع بعينه.
زاغروس.. منطقة محتملة للتفاعل بين النياندرتال والإنسان العاقل
من الجوانب المهمة في دراسة هذه المنطقة أنها لا ترتبط بالنياندرتال وحده، بل تساعد أيضاً على فهم العلاقة بينه وبين الإنسان العاقل (Homo sapiens).
فخلال عشرات آلاف السنين الماضية، شهدت مناطق غرب آسيا تحركات متعاقبة لجماعات بشرية مختلفة. وتشير الأدلة الجينية والأثرية إلى أن النياندرتال والإنسان العاقل تفاعلا في بعض المناطق، بل حدث تزاوج بينهما، وهو ما تفسره اليوم نسبة من الحمض النووي النياندرتالي الموجودة لدى كثير من البشر المعاصرين من أصول غير إفريقية.
وتكتسب جبال زاغروس أهمية في هذا السياق بسبب موقعها بين الأناضول وبلاد الرافدين والهضبة الإيرانية، فضلاً عن وجود مواقع أثرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط والأعلى.
وتشير الدراسة المنشورة في PLOS ONE عام 2023 إلى أن بعض المواقع الأثرية في إيران تعود إلى فترات تراوح بين نحو 150 ألفاً و42 ألف سنة، وأن الأدوات الحجرية المكتشفة في عدد من هذه المواقع تُفسّر بوصفها مؤشرات على وجود النياندرتال، مع احتمال تداخل وجودهم زمنياً مع انتشار الإنسان العاقل في المنطقة.
من شانيدر إلى الهضبة الإيرانية.. شبكة مواقع تساعد على قراءة التاريخ البشري
لا تقتصر أهمية البحث في تاريخ الإنسان القديم على كهف شانيدر وحده؛ فهناك مواقع أخرى في نطاق زاغروس والمناطق المجاورة تسهم في رسم صورة أوسع عن الوجود البشري القديم.
ومن بينها مواقع أثرية في مناطق السليمانية وشمال العراق، إلى جانب كهوف ومواقع في غرب إيران، مثل بيستون وورواسي، التي تضم شواهد على نشاط بشري يعود إلى العصر الحجري القديم.
وتشير موسوعة «إيرانكا» المتخصصة بتاريخ وثقافة إيران إلى أن الأدوات الحجرية المكتشفة في مواقع زاغروس الإيرانية تُظهر أوجه تشابه مع مجموعات أثرية معروفة في شانيدر ومواقع أخرى في المنطقة، وهو ما يفتح المجال أمام دراسة الروابط الثقافية والتقنية بين جماعات البشر القدماء، مع ضرورة عدم اعتبار التشابه في الأدوات وحده دليلاً قاطعاً على وجود اتصال مباشر بينها.
أربيل ومكانتها في أبحاث أصول الإنسان
إن وجود كهف شانيدر في محيط أربيل، إلى جانب الموقع الجغرافي لإقليم كوردستان ضمن الامتداد الشمالي لجبال زاغروس، يمنح المنطقة أهمية تتجاوز تاريخ الاستيطان البشري الحديث أو الحضارات التي ظهرت في بلاد الرافدين لاحقاً.
فالأدلة المكتشفة في شانيدر تضع كوردستان العراق ضمن أبرز المناطق التي تساعد العلماء على دراسة حياة النياندرتال، وسلوكهم الاجتماعي، وقدرتهم على التكيف مع البيئة، فيما تتيح الدراسات الجغرافية والمناخية الحديثة فهماً أفضل للطرق التي ربما ربطت هذه المنطقة بالهضبة الإيرانية والأناضول ومناطق غرب آسيا الأخرى.
وبذلك، فإن أربيل وكوردستان لا تمثلان مجرد موقعين على خريطة تاريخ الإنسان القديم، بل تقعان ضمن فضاء جغرافي وأثري مهم لفهم حركة الجماعات البشرية وتفاعلها خلال عصور سحيقة سبقت ظهور الحضارات والمدن المعروفة في بلاد الرافدين.