

وَقَعَتْ بينَ يدي في الآونَةِ الأخيرةِ رُوايةٌ للكاتبة العراقيّة ملاك الأحمد بعنوان "مهرجان الببغاوات"، فعكفتُ على قراءتها بتأنٍّ كقراءتي لسونيتةٍ شكسبيريّةٍ أو لقطعٍ من كانتوس عزرا باوند، أُفكِّكُ جماليّاتِها على مهل.
بَدَأتِ الرّوايَةُ، التي اتّخذتْ أسلوبَ الرّاوي العالِمِ بكلِّ شيءٍ، بدايَةً تقليديّةً في بيتِ عائلَةٍ كركوكيّةٍ في زمننا الحاضر. وكان محورها الشّاب إسماعيل جودت، الذي غَلَبَتْ الدّمامَةُ على شكلِهِ بعيونِ مَنْ يتفحّصُ البهرَجَةَ السّطحيّة، فلم تَكتَفِ تلكَ العيونُ بالتَّنَمُّرِ، إنّما تعدّتْ أفواهُ أصحابِها بإطلاقِ لقبِ "الطّائِر الدّوري الرّمادي" عليه، كنايَةً عن بُعدِهِ عن ألوانِ الجمال التي تميّز أقرانه، مُتغافلينَ أنّ لهذا الطّائرِ بصمةً عراقيّةً خالصةً تتجلّى بالنَّقشِ السّومريِّ المحفورِ في رقبتِهِ وجناحيهِ. أما المحورُ الآخرُ لتلكَ العائلةِ هو الأب، ذاكَ الرّجلُ الصّارِمُ الذي يمتَهِنُ النّجارَةَ بالوراثة، وبطبيعةِ الأحوال لمن هو بقدرِ حالَتِهِ المعيشيّة، يريدُ أنْ يمرِّرَ "سِرَّ المِهنَةِ" عبر إسماعيل مِنَ الأسلافِ إلى الأجيالِ القادمة. والمحورُ الثّالثُ أمُّ إسماعيل، المرأة التي تذكّرُ إسماعيل بأنَّ هناك على هذه الأرض من يراهُ الأجمل ويهتمّ لأمرِهِ دونَ قيدٍ أو شرط.
تَجرِي أحداثُ الرّوايةِ بسلاسةِ الحياة، ودراميّتها، حتّى يتعرَّفَ بَطَلُنا إلى الكتاب الأوّل، ديوان السّيّاب، أوّل كتاب يقرأه في حياته، والذي يشكّلُ لذاكرتِهِ المعرفيّةِ حجرَ أساسٍ لُغَوِيٍّ شاعِرِيٍّ يفتَحُ فيهِ أبوابَ الانتشاءِ بالحَرفِ والتّطلّع لِلَذَّةِ التُّخمَةِ الثّقافيّة، فتتملّكه الكلمةُ حتّى تغريهِ بأنْ يعملَ في مكتبةِ أستاذِهِ مقابلَ قراءَتِهِ للكتب، هذا الذي يجعلهُ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع أبيهِ.
يُناضِلُ إسماعيلُ لإيجادِ سبيلٍ لهُ في الحياةِ حتّى وإن تعارَضَ مع المُستَقبلِ الذي انتقاهُ له أبوه في النّجارةِ، فتتوالى أحداثٌ يمكنُ للقارئ استنباطَها من شخصيّةِ الأبِ العنيدةِ قبل أن يبحرَ في الصّفحاتِ التّالية.
وسيستوقفُ القارئَ حادثٌ ثقافيٌّ أرادتِ الكاتبةُ التّنبيهَ عليهِ، ولهذا الحادثِ ارتباطٌ وثيقٌ بالعنوان الذي يستمرّ مُتماهيًا مع الروايةِ حتّى النّهايةِ، ويقعُ الحادثُ في الفصل المُعنونِ "نون النّسوة"، تسلّطُ الضّوءَ فيهِ الكاتبةُ على استغلالِ بعضِ الأُدباءِ "الكبار" سنًّا المعروفين للصّبيّاتِ الحسناوات اللّاتي يحاولنَ بقاربهنَّ الزّهريّ الرّقيق مخرَ عباب محيطاتِ الشّهرة، فيمهّد أولئكَ "الكبار" الطّريقَ لهنَّ مقابِلَ رِفقةٍ يعرفُ نهايتها الجميع!
نعودُ إلى عُنوانِ الرّوايَةِ؛ "اللّغةُ والحُلمُ"؛ فاللّغةُ في "مهرجان الببغاوات" لغةٌ شعريّةُ يجدُ القارئُ فيها نَفسَهُ أمامَ قصيدَةٍ مُمتِعَةٍ امتَدَّتْ على مدى مئةٍ وستّةٍ وأربعينَ صفحةً من الكناياتِ والاستعاراتِ والتّشبيهات، تقمّصتْ فيها الكاتِبَةُ روحَ السّيّابِ لِتُبدِعَ بوصفِ الأحداثِ ساكِبَةً علينا هذا السّيلَ الجارِفَ مِنَ المَشاعِر. وتتعدّى الشّاعريّةُ وصفَ الأحداثِ إلى أوصافِ الشّخصيّات، فإسماعيلُ "طائرُ الدّوريّ الرّمادي"، وصديقه "النّورس"، وعشتار "طائرُ الحبِّ الزّائف"، وكذلك مُصلّح الوقتَ "الهُدهدُ" الذي أحالَ عالمَ الرّوايَةِ إلى عالمٍ عجائِبيٍّ مُتَفَرِّدٍ بِسِحرِه. ولستُ أبالِغُ إنْ قُلتُ إنَّ وَصفَ الكاتِبَةِ لكلِّ فصلٍ هو قراءةٌ تأويليّةٌ وانطباعٌ لقصائدِ السّيابِ التي ظَهَرَتْ بمرآةِ فصول الرّواية، بل وعنوَنَتْ أحد الفصول بـ"أنشودةِ المطر".
أما الحُلمُ الذي يأخذُ الرّوايةَ لأُفُقٍ بعيدٍ يكسرُ توقّع القارئ، فهو يبيّنُ أنّ للكاتبةِ باعًا طويلًا بالطّرائقِ الصّوفيّة، وأنَّ حالةَ التّقمّصِ التي حَدَثَتْ لإسماعيل فسكنتْ روحَهُ جَسَدَ السّيّابِ في مطلعِ ستينيات القرن الماضي، حالةٌ تؤمنُ بها الكاتبةُ إيمانها بحلمِها الذي فتح عينيها على العصر الذي يصحُّ لنا أن نسميه بالعصر الذهبي للأدب والفنّ في العراق، إذ يحاصركَ الجمال تارةً بلميعة ونازك وبلند الحيدري، وتارةً أخرى بمحمّد غني حكمت ورفعت الجادرجي وليلى العطار. وفلسَفةُ الحُلمِ هنا هي ذاتُها دلالتُهُ في الطّموح، لكنّهُ حلمًا انتقاميًّا ينتقمُ فيه البطلُ الذي قسا عليهِ المجتمع من المُفرَدَةِ أوّلًا وانتهاءً بنظرَةِ الآخرِ إليهِ.
تنتهي الرّوايةُ نهايَةً سايكولوجيّة بسؤالٍ يُطلِقُهُ القارئُ لا البَطَل؛ هل خُيوطُ الحقيقةِ مُمتَدَّةٌ في الحُلمِ أم في اليَقظةِ؟ والأهمّ: "مَنْ يُحرِّكُ تِلكَ الخُيوطِ؟!"
حسين نعمة حسين