
صورة تعود لقطعة أثرية وهي عبارة عن كسرة لوح طيني مسماري مخصص لنص طبي يعود للفترة الآشورية (بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد). مصدر الصورة: متحف المتروبوليتان للفنون، وهي تقع ضمن النطاق العام الحر (Public Domain).
عشتارتيفي كوم
قبل آلاف السنين، لم يكن العلاج في بلاد الرافدين مقتصراً على الأعشاب والضمادات، بل جمع بين مراقبة أعراض المرض، وتحضير الأدوية، والطقوس الدينية. وتكشف الألواح المسمارية عن معالجين امتلكوا معارف متخصصة، وأسهموا في بناء واحدة من أقدم التقاليد الطبية المعروفة في التاريخ.
الآسو.. المعالج الذي استخدم الأدوية والضمادات
عرفت بلاد الرافدين مهنة المعالج الذي حمل في اللغة الأكدية اسم الآسو (asû)، وهو مصطلح يُترجم عادةً إلى «الطبيب» أو «المعالج». وتربط المصادر التاريخية عمله بتحضير الأدوية واستخدام المواد العلاجية والعناية بالجروح وتضميدها، إلى جانب ممارسات علاجية أخرى.
وتوضح دراسة «الطب في بلاد الرافدين القديمة»، الصادرة عن معهد الدراسات الشرقية في جامعة شيكاغو، أن المعالجين استخدموا مواد نباتية ومعدنية وحيوانية، وحضّروا منها مستحضرات بأشكال متعددة، مثل المراهم والجرعات العلاجية والضمادات.
وتُظهر النصوص المسمارية أن المعرفة الطبية لم تكن مجرد وصفات متفرقة؛ فقد جرى تدوين طرق تحضير العلاجات ومكوناتها، وتناقلت الأجيال المعارف التي اكتسبها المعالجون من الخبرة والتقاليد المكتوبة.
الآشيبو.. تشخيص المرض ومعالجة أسبابه
إلى جانب الآسو، ظهر الآشيبو (āšipu)، الذي يُترجم غالباً إلى المعالج الطقسي أو طارد الأرواح. وكان هذا المتخصص يؤدي دوراً مهماً في التعامل مع الأمراض التي فُسرت في إطار المعتقدات الدينية السائدة آنذاك.
لكن اختزال عمل الآشيبو في الطقوس وحدها لا يعكس الصورة الكاملة. فالنصوص القديمة تشير إلى أنه كان يراقب المريض، ويصف العلامات والأعراض، ويستخدم طقوساً وتعاويذ علاجية ضمن منظومة فهم المرض في ذلك العصر.
وتشير دراسة أكاديمية منشورة في دورية The American Journal of Surgery عام 2022 إلى أن التمييز التقليدي بين الآسو بوصفه معالجاً دوائياً، والآشيبو بوصفه معالجاً روحياً، لا ينبغي التعامل معه على أنه فصل صارم؛ إذ تداخلت الأدوار العلاجية والتشخيصية والطقسية في الممارسة الطبية ببلاد الرافدين.
هل كان المرض يُفسَّر بوصفه ظاهرة طبيعية أم دينية؟
لم يعرف سكان بلاد الرافدين الطب بمعناه الحديث، لكنهم طوّروا طرقاً لملاحظة المرض ووصف علاماته ومحاولة التنبؤ بمساره. وفي الوقت نفسه، كانت معتقداتهم الدينية جزءاً من تفسيرهم للعالم، ولذلك اعتقدوا أن بعض الأمراض قد ترتبط بقوى خارجة عن الطبيعة أو بإرادة الآلهة.
لم يكن هذا التفسير منفصلاً تماماً عن الملاحظة العملية؛ فقد تضمنت النصوص وصفاً للأعراض الجسدية، إلى جانب إجراءات علاجية وطقوس دينية. ومن المهم هنا ألا نسقط مفاهيم الطب الحديث على تلك الممارسات، بل أن نفهمها ضمن المعرفة والمعتقدات التي كانت سائدة في زمنها.
وتشير دراسة منشورة في دورية Medical History إلى أن الألواح الطبية المكتشفة في بلاد بابل وآشور تقدم معلومات عن الأعراض والتشخيص والعلاجات، وتكشف عن منظومة طبية أكثر تنوعاً مما توحي به الصورة الشائعة عن الطب القديم.
ألواح الطين.. ذاكرة الطب في بلاد الرافدين
كانت الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري الوسيلة الأساسية لتسجيل جانب مهم من المعارف الطبية. وقد حفظت المكتبات الملكية والمعابد مجموعات من النصوص التي تناولت التشخيص والأدوية ومكونات المستحضرات العلاجية.
ومن أبرز الشواهد على ذلك النص المعروف باسم «سلسلة التشخيص والتنبؤ» (Sakikkū)، الذي جمع ملاحظات عن أعراض الأمراض ومساراتها المتوقعة في سلسلة منظمة من الألواح. وتذكر الدراسة المنشورة عبر المعهد الوطني الأميركي للمعلومات الطبية أن هذه السلسلة تضم نحو ثلاثة آلاف مدخل موزعة على أربعين لوحاً، وتُعد مصدراً أساسياً لفهم التشخيص الطبي في بلاد الرافدين.
وتُظهر هذه السجلات أن المعالجين لم يعتمدوا على الذاكرة الشفهية وحدها، بل امتلكوا تقاليد لتدوين المعلومات وتصنيفها وتناقلها، وإن كانت حدود تلك المعرفة تختلف عن أسس الطب العلمي المعاصر.
إرث طبي يعود إلى آلاف السنين
تكشف ممارسات الآسو والآشيبو عن عالم طبي جمع بين الملاحظة والتجربة والعلاج الدوائي والطقوس. ولا تعني هذه الشواهد أن الطب في بلاد الرافدين كان مطابقاً للطب الحديث، لكنها تثبت أن سكان المنطقة طوّروا معرفة منظمة بالمرض وطرق التعامل معه، ووثقوا جانباً منها على ألواح بقيت شاهدة على تاريخهم.
وهكذا، لم تكن بلاد الرافدين موطناً للكتابة والمدن الأولى فحسب، بل كانت أيضاً إحدى البيئات القديمة التي شهدت تطور تقاليد طبية مدونة، ساعدت دراستها الحديثة على فهم تاريخ التشخيص والعلاج في العالم القديم.
يتبع في الجزء الثالث من سلسلة «الطب في بلاد الرافدين»: التشخيص والتنبؤ بمسار المرض.. ماذا تكشف الألواح المسمارية عن طريقة الأطباء القدماء في قراءة الأعراض؟
المصادر والمراجع