
عناصر من قوى الأمن الداخلي ينتشرون في محيط كاتدرائية القديسين بطرس وبولس في مدينة السقيلبية بريف حماة، لتأمين المنطقة في أعقاب اضطرابات محلية. (المصدر: وكالة سانا / تصوير: مهند رصين جسري)
عشتارتيفي كوم/
السقيلبية – سوريا: عاد الهدوء الحذر إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، الأحد، بعد ليلة من التوتر وإطلاق النار وأعمال تخريب استهدفت منازل ومحالاً وممتلكات خاصة، وسط انتشار أمني مكثف ومخاوف متزايدة بين السكان من تكرار الاعتداءات التي شهدتها المدينة خلال الفترة الماضية.
وقالت رووداو عربية في تقرير نشرته الأحد 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقلاً عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن الأحداث الأخيرة أثارت حالة من الخوف والهلع بين الأهالي، وأعادت إلى الواجهة المخاوف بشأن مستقبل السلم الأهلي وآليات حماية المدينة وسكانها.
شرارة بدأت بمشاجرة وتصعيد انتهى بإطلاق النار
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، بدأت الأحداث مساء الجمعة 2 تشرين الأول، عندما دخلت مجموعة من الشبان القادمين من إحدى البلدات المجاورة، ورُجّح أنهم من قلعة المضيق، في احتكاك مع شبان من السقيلبية في منطقة شارع المشوار وسط المدينة.
ووفق رواية نقلتها رووداو عن نشطاء محليين، وقع خلاف بعد تحرش لفظي بفتاتين من أبناء المدينة، قبل أن يتدخل عدد من الشبان، لتندلع مشاجرة وتدافع بالأيدي انتهى بإخراج المجموعة من أطراف السقيلبية.
غير أن الحادث لم يتوقف عند حدود المشاجرة، إذ أفادت رووداو بأن مجموعة مسلحة وصلت لاحقاً من خارج المنطقة، فيما وصف محلياً بـ«الفزعة»، لتتصاعد الأحداث إلى إطلاق نار باتجاه منازل ومحال تجارية وممتلكات خاصة، بالتزامن مع أعمال تكسير وتخريب وترويع للسكان.
السلطات: اعتقال المتورطين وتعزيزات أمنية
وقالت مديرية إعلام حماة في بيان صدر السبت 3 تشرين الأول إن قوى الأمن الداخلي تدخلت لاحتواء الحادثة وإعادة الهدوء إلى السقيلبية، ووصفت ما جرى رسمياً بأنه «مشاجرة بين عدد من الشبان».
وأعلنت المديرية نشر تعزيزات أمنية في السقيلبية وقلعة المضيق لمنع وقوع خروقات جديدة، مؤكدة توقيف المتورطين وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة، فيما دعت السكان إلى الاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات.
كاهن المدينة: لا نريد الفوضى ولا الانتقام
وفي موقف يعكس حجم المخاوف داخل المجتمع المحلي، أدان كاهن رعية السقيلبية الأب فادي سنكري الهجوم واقتحام المنازل وتهديد أمن الأهالي.
وقال سنكري، في بيان وجهه إلى أبناء الرعية في 3 تشرين الأول، إن «السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلاً عن دولة القانون»، مؤكداً في الوقت نفسه أن السكان لا يريدون الفوضى أو الانتقام، لكنهم «لن يقبلوا أن يعيش أبناؤهم تحت الخوف» أو أن تتكرر مشاهد الخراب التي عرفتها المنطقة سابقاً.
وطالب الكاهن الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها في حماية الأهالي وفرض الأمن والعدالة ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، داعياً سكان المدينة إلى حماية النساء والأطفال وكبار السن وعدم الانجرار إلى العنف أو الانتقام.
حزب الاتحاد السرياني: ما حدث ليس حادثاً معزولاً
وفي تطور سياسي لافت، أدان حزب الاتحاد السرياني، الأحد، أعمال العنف التي شهدتها السقيلبية، مطالباً بفتح تحقيق قانوني شفاف ومستقل وتحديد المسؤولين عن الاعتداءات ومحاسبتهم.
وقال الحزب إن ما حدث «ليس حادثاً جديداً»، مشيراً إلى أن المدينة شهدت خلال الفترة الماضية توترات واعتداءات مماثلة من مناطق مجاورة، رغم وجود تفاهمات محلية هدفت إلى منع تكرارها. واعتبر أن تكرار هذه الحوادث يستدعي تدخلاً حازماً من مؤسسات الدولة والقضاء لحماية المدنيين وممتلكاتهم.
كما طالب الحزب بتفعيل التفاهمات المحلية السابقة بضمانة رسمية، ودعا إلى إتاحة المجال أمام الشباب المسيحي للانضمام إلى أجهزة الأمن الداخلي ضمن الهيكلية الرسمية لوزارة الداخلية، للمساهمة في حماية مناطقهم وممتلكاتهم.
تحذيرات من تحول الخلافات إلى توترات طائفية
وحذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من أن تكرار هذا النوع من الحوادث ومعالجته عبر المصالحات العرفية والتسويات المؤقتة لم يعد كافياً، داعياً إلى معالجة أمنية وقانونية جذرية تضمن محاسبة المتورطين وتمنع تحول الخلافات الفردية إلى «فزعات طائفية أو مناطقية» تهدد السلم الأهلي.
وتشير المعطيات التي أوردتها رووداو إلى أن المخاوف في السقيلبية لا ترتبط بالحادثة الأخيرة وحدها، إذ تحدثت الباحثة السياسية سالي عبيد عن سلسلة من الأحداث التي قالت إنها شهدتها المدينة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، مروراً بأحداث وقعت خلال عام 2026، معتبرة أن تكرار الاعتداءات يثير تساؤلات حول قدرة الترتيبات الأمنية الحالية على منع تكرارها.
هدوء هش وانتظار للمحاسبة
وبينما انتشرت القوى الأمنية في مداخل السقيلبية وأحيائها الرئيسية، بقيت المدينة في حالة من الهدوء المشوب بالحذر، وسط ترقب من السكان للإجراءات التي ستتخذها السلطات لمنع تجدد التوتر ومحاسبة المتورطين.
وتضع التطورات الأخيرة السلطات السورية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية سكان السقيلبية، ولا سيما في ظل كونها مدينة ذات غالبية مسيحية، ومنع الخلافات المحلية من التحول إلى اعتداءات متكررة تهدد أمن المدنيين وتعمق المخاوف من تراجع السلم الأهلي.
وفي ظل هذه المخاوف، تتزايد الدعوات داخل المدينة إلى أن تكون المحاسبة القانونية وحماية المدنيين هي السبيل الوحيد لمنع تكرار الاعتداءات، بعيداً عن الفزعات المسلحة أو التسويات المؤقتة التي لم تمنع، بحسب الأطراف المحلية، عودة التوتر إلى السقيلبية.