البطريرك الراعي يلتقي البابا فرنسيس، مجدداً الدعوة إلى قداسته لزيارة لبنان      إطلاق مدرسة تفاعلية لتعليم اللغة السريانية عن بعد      رئيس اساقفة دمشق: يرفض المسيحيون في دمشق "إغلاق الكنائس" بسبب الوباء      قداسة البطريرك افرام الثاني يلتقي بإكليروس أبرشية بغداد والبصرة      المرصد الآشوري يشارك في منتدى عالمي حول كيفية بناء مدن شاملة ومستدامة ومتعددة الثقافات خاصة في مجتمعات ما بعد الوباء      بالصور . البركة      البطريرك ساكو يستقبل الدكتور سعد سلوم ومجموعة شباب وشابات من المجتمع المدني      مجلس كنائس الشرق الأوسط ينظّم حملة توعية للوقاية من فيروس كورونا في درعا      المجلس الشعبي يستقبل حركة التغيير (كوران)      افتتاح كنيسة العذراء وإعادة 80 عائلة مسيحية نازحة إلى تلكيف      إقليم كوردستان يطلق حملة تلقيح لمدة خمسة أيام ضد "شبح الأطفال"      لتخطي الأزمة.. المالية النيابية تقترح إعداد سلم رواتب جديد وإصدار الدينار الإلكتروني      فيروس كورونا: دول أوروبية تعيد فتح المتاجر والوضع يزداد سوءا في الولايات المتحدة      بيان من الاتحاد الديمقراطي العراقي في الولايات المتحدة الامريكية      أوبك + تدعو إلى إجراء محادثات في اللحظة الأخيرة وسط شكاوى العراق      كيف ستصبح حياتنا بعد اللقاح؟ علماء يرصدون الاحتمالات      السماء البنفسجية تفجع بلده بأكملها.. والسبب لا يخطر على بال      حمية البروتين.. دراسة تكشف الأثر السحري في حرق الدهون      وفاة لاعب عراقي بنوبة قلبية أثناء مباراة كرة قدم      رسالة البابا فرنسيس إلى المشاركين في مهرجان العقيدة الاجتماعية للكنيسة
| مشاهدات : 415 | مشاركات: 0 | 2020-10-22 15:36:03 |

"الشخص المناسب للمكان المناسب!" نعم، لكن كيف؟

المطران د. يوسف توما

 

 

في عام 1973 صدر للوزير والأكاديمي الفرنسي ألان بيرفيت Peyrefitte كتاب غريب: "عندما تستيقظ الصين، العالم سيرتجف"، بيع منه نحو مليون نسخة، كانت الصين آنذاك غارقة في مشاكل "الثورة الثقافية" على يد ماو تسي تونغ، وراح ضحيّتها بحسب بعضهم 20 مليون نسمة. لم تكن الصين آنذاك دولة قوية، لكن في عام 1979 أمسك زمام الحكم فيها دينغ هسياو بنغ فأحدث منعطفا جعل توقعات الوزير الفرنسي تصدق، وبدأ صعود لا يصدّق لتحتل الصين الموقع الأول في العالم في كثير من الأمور، ومنها بناء خياليّ لطريق الحرير برًا وبحرا في حين تراجعت دول عديدة قوية وغنية. ذكّرتنا الصين أنه لا يمكن تجاهلها، فهي في الماضي من أقوى حضارات العالم اتحفته باختراعات غيّرت مساره، أهمها أربعة: الورق، الطباعة، البوصلة والديناميت.

قبل أيام أنهيتُ قراءة كتاب عنوانه "تاريخ العالم الكبير" لفرانسوا رينارت Reynaert نشره عام 2016، خصّص فيه فصولا عن الصين استغربتُ أنه لم يعوّل على تلك الاختراعات الصينية التقليدية ولا على الحرير أو الخزف، لكنه يقول إن الأساسي في حضارتها حدث قبل ألف عام عندما وضعت أسلوبا إداريا فريدا لاختيار "الشخص المناسب للمكان المناسب" ووضعت آلية امتحان، منافسة أو اختبار لتسليم الإدارة لمن يستحق. ولولا ذلك لما قامت الصين، أصل فكرة "الامتحان" إذن صينية.

يمكن العودة بفكرة الاختبار أو الامتحان أو المنافسة إلى الحكيم الصيني كونفوشيوس (551 – 479 ق.م)، الذي قال: "إن العالِم الحكيم هو الوحيد القادر على مساعدة الأمير على ضمان العدل في البلاد". وطبقت سلالة تانغ Tang (618م –907م) فكرة الانتقاء عن طريق المنافسة، بالأخص في عهد وو شتيان وهي المرأة الوحيدة في تاريخ الصين التي حملت لقب "امبراطورة"، ولعبت دورا حاسما في تعميم نظام امتحان "الجدارة المطلقة" لجميع المهن، لكن هدفها الحقيقي كان التخلص من تأثير العائلات الارستقراطية التي عارضت شرعيّتها كإمرأة. وكانت فكرة ممارسة "الامتحان المبتكر" جديدة إذا ما قورنت بما كان يحدث ذلك الزمان في أنحاء أخرى من العالم بل وحتى اليوم. الملوك يختارون مساعديهم ليس على مبدأ الكفاءة بل انطلاقا من النيّة الحسنة أو وفقًا لمصالح عشائرية ووساطات وقرابة وفساد. وبعد الصين بألف سنة توصّلت الدول المتقدمة اليوم لكي تختار أن تجعل الجدارة تسود على الولادة!

تبنّت السلالات اللاحقة في الصين نظام الاختبار والمنافسة فصار يتمّ ذاك في القصر الملكي كأعلى مستوى امتحان لتعيين موظفي الخدمة المدنية، ليصبح ساريا خلال العهود اللاحقة بحيث يتم إعداد الاختبار بإشراف الإمبراطور نفسه. وتتضمن قوائم ذهبية لأسماء المرشحين الناجحين كما تشهد الوثائق على نظام امتحان تطوّر ليمتد عبر القرون، قيل إن أصوله تعود إلى عهد سلالة "سوي" (581 ق. م). لكن سلالة تشينغ جعلت اختبار موظفي الخدمة المدنية يعقد على فترات منتظمة كفرصة للمثقف أن يحصل على منصب رسمي. وكانت الاختبارات متفاوتة وخصوصية تشمل امتحانًا للمقاطعة وآخر للإقليم وثالثا للعاصمة ورابعًا للقصر الامبراطوري. فيحصل الفائز على لقب "جين شي"، ويكتب أسمه على لافتة صفراء تسمى القائمة الذهبية يتم عرضها خارج بوابة "تيين آن مين" (ميدان السماء) الشهير. المخطوطة تكتب بالحبر الهندي باللغتين الصينية والمانشو وتحمل ختم الإمبراطور الذي كان بذلك يحدِد مَن يصلح للخدمة. وقد بقي هذا النظام جاري المفعول بشكل مستمر على مدى 1300 عام، منذ 605م حتى إلغائه مع نهاية عهد سلالة تشينغ في عام 1905.

تسمح تلك الاختبارات والامتحانات على فهم بيروقراطية الدولة فالهدف الأساس هو استبدال شكل انتقال السلطة من الأرستقراطية إلى الجدارة والكفاءة. كما تم إضفاء طابع مؤسسي على نظام الامتحان في عام 605م، في حين قيل إنه بدأ من سلالة هان (206 ق. م. – 220م)، أي منذ توحيد الصين الأول. وقد وصل إلينا مسار الاختبارات من أوائل سلالة مينغ Ming (1368 – 1644م)، إذ كانت تستمر ما بين 24 إلى 72 ساعة، يتم إجراؤها في غرف منفصلة ومعزولة. تضمّنت الغرف الصغيرة مكتبين إما متصلين لإنشاء منصة أو يتم وضعهما على مستويات مختلفة ليكونا بمثابة مكتب وكرسي. وللحفاظ الشديد على موضوعية التسجيل، يتم تحديد المرشحين بالأرقام بدلاً من الأسماء (لتجنّب أي تدخل ووساطة)، ويقوم شخص ثالث بنسخ أوراق الامتحان قبل تسجيل الدرجات لمنع التعرّف على خط المرشح. وما إن ينجح المتسابق، كان من حقه أن يرتدي ثوبًا رسميًا وغطاء رأس بلون معيّن وفقًا لرتبته الجديدة. لكن لدى تعيينه كان يمنع من الزواج أو تملك الأرض في المنطقة المخصصة له ولا يحق له إدارتها لأكثر من ثلاث سنوات. وكان عليه أن يتحدث اللغة الماندرينية الفصحى بلهجة مميّزة، وهي التي سادت على مدى طويل وانتشرت فأصبحت لغة رسمية توحد البلاد، لكنهم لاحقا بسّطوا اللغة والكتابة بشكل كبير.

لكي نفهم الصين يجب أن نعود إلى فلسفة كونفوشيوس الذي أثّر على السياسة والمجتمع الصيني لأكثر من 2500 عام. وكانت نظرياته تطبَق حتى قبل توحيد الصين أي في فترة الممالك المتحاربة (قبل 206 ق.م.). كونفوشيوس يعدّ سيد المثقفين والأهم لديه أكثر من أي شيء آخر هو التعليم والتنشئة، كي يصبح الإنسان صالحا (junzi) مقتدرا على خدمة الدولة. والسياسة تنبع من الأخلاق: وعندما يقوم الحاكم بالسيطرة على نفسه من خلال الفضيلة، سيجعله ذلك قادرا أن يسود نفسه ويحكم بشكل جيد. وكذلك الوزير سيدير جيدا وزارته وسيسود النظام في نواحي المملكة؛ "فيكثر الأرز والسعادة في المنازل المتواضعة".

إن توحيد الصين يعود إلى عام 221 ق. م، على يد تشين شي هوانغديQin Shi Huangdi  (مؤسس سلالة تشين التي منها كلمة صين) لكنه حقق ذلك بالقوة والإكراه، مبتعدا عن الفضائل الإنسانية التي لكونفوشيوس رفضها بل منع تعليمه وأمر بحرق كتبه. كذلك الزعيم ماو تسي تونغ (1893 - 1976)، لم يكن يحب كونفوشيوس، إلا أن الصين تعود وتعيد إلى كونفوشيوس وتستلهمه.

بقيت ممارسة الإختبار والمنافسة في عهود لاحقة مثل الإمبراطور شينزونغ Shenzong (سلالة  سونغ 960-1279)، فاعيدت صياغة أوراق الامتحان، ولم يبق من النظام القديم، سوى الاختبار الخاص بلقب جينشي [دكتور]. ووضعت قواعد جديدة وفقًا لسجلات رسمية فقط؛ أي أصبحت شكلية بعيدة عن روح كونفوشيوس القديمة وبقيت كذلك حتى القرن التاسع عشر.

بالرغم من كل التقلبات التي جرت، كان لنظام المنافسة والامتحان في الصين تأثيرًا على دول عديدة مثل كوريا وفيتنام حيث طبّق منذ عام 1075 إلى 1919، كذلك اليابان في فترة هييان Heian (794 - 1185)، بعد ذلك تخلت عنها لتعود إلى النظام الوراثي. كما تأثرت أوربا عبر فرنسا بهذا النظام وأعجب به فولتير واستوحوا نظام التوظيف التنافسي في الخدمة العامة وفي المدارس الكبرى وطبق نظام الامتحانات الإمبراطورية كما في الصين القديمة، ويعود الفضل إلى الآباء اليسوعيين الذين بشّروا الصين منذ القرن 16 واشتهر منهم الأب ماتيو ريتشي (1552 - 1610)، كما قاموا بالترويج لنظام الامتحان التنافسي في جميع مدارسهم في أنحاء العالم، بحيث أعجب به نابليون بونابرت (1769 - 1821) وأمر بتعميمه على جميع البلاد التي سيطر عليها ونقل إليها النظام الفرنسي لخلق نخب جديدة مختلفة تحل محل الأنظمة القديمة.

الخاتمة

اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب حيّر الحضارات، وتقلبت في اتخاذ القرار وتنوّعت المقاييس المعتمدة، بين الحدس أو العرف العشائري (أو الانقلابات). ويبدو ان صراع الحضارات، في تقدّمها أو تراجعها ينبع من القيم التي تنادي بها، فكم من شخص مناسب جاء في الوقت المناسب فأنقذ البلاد والعباد ونقل الجميع من حالة إلى أخرى مختلفة تماما، والعكس صحيح، ما أكثر الحالات حيث شخص واحد غير مناسب عطل ودمّر بلادا متقدمة وغنية لأنه أقحمها في العبث والدمار والمخيّلة المريضة.

لذا يمكن القول إن عمل نظام المنافسة والامتحان أسهم عبر التاريخ في الحفاظ على وحدة بلاد عديدة ثقافيًا وسياسيا لأنه قرّبها من القيم الأساسية والأخلاقية. وإن كان المتقدمون إلى المنافسة كثيرين وأن جزءًا صغيرًا 5٪ فقط ينجح ويحصل على المنصب المرجوّ، لكن العبرة بالتالي ليست في فوز الجميع بل في تأثير الدراسة والتشبّث بالتعلم والمتابعة الذاتية والأمل بالنجاح. وفي نهاية المطاف قد يشارك في امتحان آخر في المستقبل، لأن الطموح لدى من يحلم بالفوز أفضل من اجتيازه. اما الذين يفشلون – وهم الأغلبية – فلديهم شرف المشاركة، ويُعد ابراهام لينكولن (1809 - 1865) خير مثال، فشل خمس مرات في الترشّح للرئاسة الأمريكية وفاز في السادسة وهو يُعَدُ بعد جورج واشنطن، من أفضل رؤساء هذا البلد، لأنه أنقذه من الانقسام ومن استمرار العبودية. أفكار كونفوشيوس، وحّدت الصين ورفعتها وأقامت منها: معلمين، فنانين، وشعبا ماهرا ذكيا يتقن كل شيء بحيث بقي على مدى قرون محط اعجاب جيرانه ولم يزل!

إن النتيجة العامة لنظام الامتحان والاختبار وكل ما يرتبط بهما من دراسات كانت عاملا أساسيا في توحيد العالم والثقافات: وأسهمت في شحذ عزيمة الجماهير لتقبل قيم جديدة وسعي للوحدة في الانتماء إقليميا ومحليا. لا يزال الشعور بالانتماء بهوية وطنية ومواطنة يشكل مسألة تقسّم الناس وتبعثرهم، خصوصا في القرنين 19 و20، لكن منذ بداية هذا القرن الحالي يبدو أن نبوءة "ألان بيرفيت" بدأت تتحقق: فقد استيقظت الصين، وصار العالم يرتجف، أي يعمل لها مئة حساب، ويتساءل: كيف ستتصرف الصين ذات المليار والنصف، بقوّتها وأموالها وسرعة التنفيذ لديها في التقنية والصناعة والتجارة؟ هل ستتمكن من الإبقاء على القيم التي نادى بها كونفوشيوس قبل 2500 سنة؟ سيبقى السؤال مفتوحا للعقود المقبلة، ومن سيعيش منّا سوف يرى!

كركوك 16 تشرين الأول 2020











اربيل عينكاوه

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    info@ishtartv.com
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    article@ishtartv.com
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2020
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 2.2075 ثانية