|
نعم أيها الرائع شفيق المهدي المسيحيون ليسوا إستيراد
تقضي الأم أحيانا أكثر من نصف يومها واقفة في المطبخ لتحضير وجبة هانئة متميزة لأبنائها وأهل بيتها , وتبدو علامات الإجهاد والتعب واضحة عليها وهي تضع اللمسات الأخيرة على المائدة وتدعو الأحبة إليها , لكن كلمات الشكر والتقدير والثناء البسيطة الخارجة من القلوب الصادقة تفعل فعلها السحري بسرعة الضوء فيختفي حالا الإجهاد على الوجه لترتسم عوضا عنه ابتسامة الحب والرغبة في التضحية وتقديم المزيد . مع اشتداد اسوداد النفق ورهبة ممراته التي تفوح منها فقط رائحة الموت الكريهة والعنف المقيت حيث يبدو الوطن وقد أصبح محلا صغيرا للجزارة يُذبح فيه صاحبه والداخل والخارج , ولكن مع بصيص من الضوء تشعر به أن حبل الإنقاذ بات في متناول اليد يعود الوطن إلى أصله , واحة خضراء تكفي للجميع , إلى بضع أرغفة وسمك يقتات منها الملايين , وبركة الرب تتركها لاتنقص بل تزيد. هكذا كان حال المسيحيين على الدوام , يؤمنون أن الكلمة الطيبة صدقة , يفتحون أبواب القلوب على مصراعيها لمن يقولها بنقاء , يمسحون بها ظلم السنين. ربما ينعتهم البعض بالسذاجة , ولكنها السذاجة النابعة من الإيمان بالعقيدة وطبع متوارث أصيل. عرضت قناة عشتار الفضائية قبل أيام مقابلة رائعة أجراها مراسلها في بغداد حسن البغدادي مع الدكتور شفيق المهدي المدير العام لدائرة السينما والمسرح . شخصيا , لم يسبق لي شرف معرفة الرجل او متابعة نتاجاته ولذلك كانت المقابلة هي الفرصة الأولى , لكنني اعتقد ان كل من تابعها , أيا كان لونه الديني والمذهبي وطيفه القومي , يشعر انه قادر بسهولة بناء جسور , بصيغة الجمع , مشتركة , مع الآراء والطرح الذي تناوله الدكتور المهدي , شخصية تقول للمتلقي انها تضرب في الجذور وتتباهى بها وتنفتح في نفس الوقت على الأخر بلا حدود . لقد تكلم الدكتور المهدي وأسهب في الحديث عن ( الامن الثقافي ) معتبرا اياه جزءا رئيسيا من الامن الوطني والذي على اساسه يجب ان يُنظر الى وزارة الثقافة كوزارة سيادية من الدرجة الاولى , لقد اشار الدكتور المهدي وبشجاعة باسلة الى الظواهر المرضية الغريبة التي طرأت على المجتمع العراقي في السنوات الاخيرة والمتمثلة بالتهجير والإرهاب والنهب والذبح على الهوية , مستهجنا , بقلب يعاني من الغصة والمرارة , محاولات نفر ضال اشاعة تقاليد التخلف والجهل. لقد كان الدكتور المهدي بحق صوت صارخ في برية العراق يدعو الجميع الى العودة الى اصله وقيمه ومبادئه . لقد انتابني , وانا اتابع المقابلة , شعور بالرغبة في توجيه اللعنة الى نظام المحاصصة الذي ربما لم تفسح شروطه وألياته المجال لهذه الشخصية العراقية الفذة في ان ترى مكانها الطبيعي على كرسي وزارة الثقافة . لقد ذكرتني المقابلة كيف تفتخر( مصر ) بوزير الثقافة فيها السيد فاروق حسني حتى انه اصبح وكأنه ( ابو الهول الوزارة المصرية ) فتتغير الوزارات وتتبادل الوجوه المواقع , و فاروق حسني حجرة ثابتة على مدى عقود وكأنه قد اختصر بشخصه الفولكلور والثقافة المصرية , ترى لماذا لا يكون لدينا في العراق الشئ نفسه والدكتور المهدي بنظرته الى المثقفين والفنانين , بل والى عموم شعبه , ورؤيته المتجذرة المتحضرة المنفتحة هو المرشح الافضل لكي يكون ( فاروق حسني العراقي ).
وعندما جاء الدكتور المهدي الى الاجابة على سؤال حسن البغدادي حول شعبنا ودوره وحقوقه , كانت اجابته بعيدة كل البعد عن النمطية التقليدية كما يفعل الكثيرون , نعم لم تكن اجابته ( جيفيان شر او إسقاط فرض ) كما يفعل بعض السياسين , كما لم تكن الاجابة هي عبارات المجاملة الباردة التي اعتاد البعض الاخر استخدامها في مثل هذه المناسبات . لقد كنت اسمع الدكتور المهدي وهو يتكلم عن شعبنا الكلداني السرياني الاشوري وكأن كلماته تأتي خريرا لشلاًل يتلو سورة مريم . المسيحيون لايحتاجون الى شهادة فتاريخهم وسلوكهم شهادة , المسيحي لايعرف الحقد ولامكان للبغض في قلبه , لايسرق , لايعتدي , لاينهب المال العام , كل المؤسسات والدوائر التي يقودها المسيحيون هي مؤسسات ودوائر ناجحة , المسيحيون أسسوا الكنيسة والثقافة , لايتوهم احد انه يحمٍل المسيحيين مِنًة عندما يعطيهم حقوقهم او يطالب بإعطاء حقوقهم لان المسيحيين ليسوا إستيراداً , بل هم من قام بفعل التأسيس في هذه الارض قبل ان يصل الاخرون اليها, وكانوا أوفياء للارض على مدى الدهور والأزمان هذا ما أتذكره مما قاله الدكتور المهدي وغيره كثير , وكان جميعه , من خلال الايماءات وتفاعلات الوجه , يخرج من قلب صافي نقي يعني مايقول ويؤمن به بحق أول واقدم , ومن بقي صادقا على الدوام , ماركة مسجلة بإسم هذا الوطن وهذه الارض .
لقد قالت الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة يوما , انها ربما لن تكون شاعرة كبيرة ولكنها لاترضى في ان تكون انسانا صغيرا . ها هو الدكتور شفيق المهدي على المنوال نفسه , فربما لن تسمح له قوانين المحاصصة والاقتسام في الحصول على الفرصة التي يستحقها , لكنه , وهذا هو الاهم , قد قرر ان يكون كبيرا يستحوذ على ملايين الفرص , أمكنة للسكن , في قلوب ملايين العراقيين الغيارى الشرفاء . أيها الرائع شفيق المهدي , لقد ألقيت تحية وتستحق جوابا افضل منها.
د . وديع بتي حنا |