غبار يعلو نواقيس أورشليم



الشماس
سامي القس شمعونسيدني

أورشليم، أورشليم، لازلت لا تعلمين ماهو  لسلامك، فقد اخفي عن عينيك ، ما ترينه أمامك، لقد شبعنا من القبل المزيفة التي تنثريها على خدودنا زيفاً، فبواحدة منها تم تسليم المسيح إلى خشبة الصليب في الجلجثة.

ما بالك لا تبصرين إلا موضع  أقدامك،  فتثورين على البسطاء الأمناء، بثورة جنونية للقتل، وكأنك على لص خرجت، بالعصي، تصرخين في أزقتك الضيقة "اصلبه اصلبه" ( لو 23: 21).

 
الم تعرفينهم بعد؟ الم تشهدي أعمالهم؟ الم تكن كلها في النور؟  الم تشهدي  تجارتهم  بالوزنات ( مت 25: 15 )، فضتهم التي لم تعطى بالربا وطعامهم الذي لم يعطى بالمرابحة (لا 25 : 37) ؟
 
 
ما بالك خرجت عليهم  ملثمة "بمشاعلٍ ومصابيحٍ وسلاحٍ" ( يو 18: 3 )، وتهددين، تتوعدين، اطردهم اطردهم؟

إنهم في نور يا أورشليم وفي النور يسيرون، لم يزاحمك يوما احد من أبنائنا على الحُر من الأوكسجين لتقرري طردهم، ذبحهم أو قتلهم.  إنهم ببساطة يا أورشليم،  بسطاء  كالحمام ( مت 10: 16 ) مشغولين بمصابيحهم الملآنة زيتا ( مت 25 : 4)، اتركيهم ينتظرون عريسهم ( لو 5 : 34 ) وان بطأ ، فإنهم لا يعكرون ليل نهرك الخالد إلا بالصوم والصلاة استعدادا لملاقاة عريسهم، الذي يحصد من حيث لم يزرع، ويجمع من حيث لم يبذر (مت 25: 26 ).

أورشليم ، أورشليم، لازلت تضربين الراعي  ( مر 14: 27 ) فتتبدد الرعية وتجلدين الطيب والطبيب، اجلديهم بأربعين جلدة إلا واحدة ( 2 كو 11: 24 )  فان ذلك يشفي المريض من حيث لا تدرين،  وخذي فهذا هو الخد الآخر ( مت 5: 39 )، وهذا ظهرنا للضاربين وخدنا للناتفين، وجهنا لم نستر عن العار والبصق ( اش 50: 6) . لماذا مازال دم هابيل يصرخ ويُسمع  بين جدرانك القديمة بعمر التاريخ، ودموع راحيل جارية أبت أن تنشف وتنشف معها أحزان الثكالى؟

 
آه يا أورشليم لو عرفت زمن افتقادك (لو 19: 42)، لتصرفت بشكل مختلف، لسنا مختبئين خلف مآزر من التين (تك3: 7)، فبيتنا من زجاج وما في قلوبنا تسمعينه وترينه على لساننا وأفعالنا. انقضي ما طاب لكي من هياكل  فإنها ستبنى في ثلاثة أيام (يو 2: 19 )، لان ذلك الذي كان ميتا قد وجد جالساً مع المسيح الحي في السماء، ويسكب لنا رائحة الناردين الطيبة بقيمة ثلاثة مئة دينار ( مر 14: 5 ) فنحضر الوليمة التي أعدتها العروس، ومن له العروس فهو العريس (يو 3: 29 ).

هوذا الصيف اقترب يا أورشليم وأوراق التين قد صارت رخصا ( مر 13: 28)   وأنت لاهية، تأكلين، تشربين، تتزوجين وتزوجين (لو 17:27) ، أنت لا تعلمين اليوم والساعة ( مر13:35) التي فيها ستزول الأرض والسماء، لو علمت لسهرت معنا أكثر، ولم تتجرئي على ضرب الغلمان والجواري وتقولين في قلبك سيدي قد يبطئ  (لو12:45)!

ها قد أخفيت الحكمة عن الحكماء والفهم عن الفهماء وأعلنت بكل بساطة للأطفال ( مت 11: 25)، فاعلمي يا أورشليم إن المدينة التي نبجِّلها ونطلبها، هي التي لم تذبح الأنبياء (مت 23: 30)، قائمة على جبل الرب فلا تختفي (مت 5: 14). هلم أيها السامري الصالح، هلم وضمد جراحاتنا وصب عليها زيتا وخمرا (لو 10: 34 ) وخذنا على ظهر دابتك إلى حيث يعتنوا فينا بديناري الروح القدس، فعلى انهار بابل ( مز 137: 1) امتلكنا الحزن العميق فجلسنا وبكينا عندما جرحنا في بيت احبتنا ( زك 13: 6 ).

استيقظي أيتها الرباب والعود، استيقظي سحرا ( مز 108: 2) واهتفي للرب يا كل الارض (مز 100: 1 ) لأننا سنجتاز المعصرة يا أورشليم بنصرة على خطى المصلوب، لان إلهنا مخفي في جسد بشر وقريب منا مسافة عتبة باب ويقرع(رؤ 3: 20)، وهو قادر على أن يخرج من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة (عا 5: 26). سنجتاز المعصرة يا أورشليم وان على ظهورنا حرث الحراث، وطوَّلوا أتلامهم (مز129: 3 ) ، سنجتاز المعصرة وان لم يكن من الشعوب أحدا معنا، فهذا شاننا نحن "النصارى" مع الألم والضيق، ندخل من الباب الضيق ( مت 7: 13 ) ويسلموننا إلى ضيق ويقتلوننا  ونكون  مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمه، وهو قد كلمنا وحذرنا منذ ألفي سنة، من انه سيكون لنا في العالم ضيق ( يو 16: 33 ).

ولكن "للرب الأرض " ( 1 كو 10 : 26 ) يا أورشليم للرب الأرض وملأها ومع فم الذهب نقول
إن  أحضرتي الجلجثة بقربنا، وجعلتيها متحركة من مدينة لأخرى،  فان المسيح عزائنا، قد مات وقام في اليوم الثالث! فأدركنا أن جمعة الآلام العظيمة بكل ثوانيها الثقيلة المرة، سيعقبها أحد القيامة وبه نعيش في تجلٍّ دائمٍ.

وان أردت إغراقنا في البحر، فالرب لم يتخلى عن يونان النبي وهو في جوف الحوت وقاده إلى حيث أنتِ!

وان القينا  في النار المتقدة بحقد، فشدرخ وميشخ وعبدنغو قد تحملوا نار الأتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتادا أن يُحَمّّى ( دا 3 : 19 ).
     
وأيضا يا أورشليم، فان وحوشك الضارية لن تضرنا إن قيدنا أمامها في جب الأسود، لان دانيال سبقنا في الغلبة عليها ( دا 6 : 16 ).

وان رجمنا، فإن استفانوس يشرق أمامنا وينتصر على راجميه بالغفران لهم! ( أع 7: 59 )

أما إذا طلبت رؤوسنا  لذبحنا، فإن المعمدان يشرق ناصعاً أمامنا!

عريانًا يا أورشليم خرجنا من بطن أمنا وعريانين نترك لك العالم.

ارض سدوم ستكون لها حالة أكثر احتمالا يوم الدين مما لك ( مت 11: 24 )، لأننا على مثال سيدنا،  لم نعمل ظلمًا، ولم يكن في فمنا غش ( اش  53: 9)، وأنت قد قاضيتنا جوراً (مز 82: 1).

سنرجع إليك يا أورشليم، في احد السعانيين، بعد أن نزور مؤقتاً واضطراراً "بيت عنيا". وأنت يا "بيت عنيا" أضيفي الغرباء في بيتك ولا تنسي " إضافة الغرباء لان بها أضاف أناس ملائكة و هم لا يدرون" (عب 13: 2)

وأنت يا هيرودس، لسنا خونة لامتنا إن لم ندفع الجزية، فهذا فلك نوح، الحمام مع الثعابين، والحملان مع الذئاب يقيمون، ولكن لنتذكر إن المسيح قد سبقنا ودفع الجزية، درهمين وجدها بطرس في فم سمكة، فأدركنا على مثال معلمنا، أن انتماءنا السماوي يجعلنا نطيع ملوك العالم و رؤسائه بروح الوداعة. "الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" (رو 13: 1).

أورشليم، أورشليم، كلما اقترب الملكوت، كلما زادت مقاومتك لأبناء الله، ولكن الحكمة قد بنيت بيتها، نحتت أعمدتها السبع ( أم 9 : 1 ) وهي تقول لك، خذي ما لقيصر فانه لقيصر واتركي ما لله لله، لأنك لازلت تعتقدين إن من يقتلنا يقدم خدمة لله (يو 16: 2 )!

والى العلاء، يا دم لمياء وولاء