|
حيتان الموائد وصَيادي المناسبات / 1 ( الجزء الأول )
تختلف عادات وتقاليد الشعوب بأختلاف الزمان والمكان ، وغالباً ما نسمع عن بعض الممارسات لبعض الشعوب أو الأفراد التي قد تبدو لنا غريبة أو بعيدة عن الأعراف الإجتماعية السائدة و( الأتكيتات ) المتبعة في تلك البلدان أو داخل مجتمعاتها أو حتى داخل الطوائف الكبيرة أو الصغيرة في البلد الواحد أو في البلدان المُختلفة ، كما وتختلف باختلاف شرائح المجتمع الواحد أو الطائفة الواحدة بأختلاف مستوياتها الإجتماعية والثقافية والعلمية ، لكنها في النهاية تصب في مجرى واحد ألا وهو الموروث الشعبي أو التراث الشعبي للبلد وتكون جزءاً منهُ .
وقد روى لي أحد ألاساتذة الأجلاء الذي غادر العراق الى فرنسا للحصول على شهادة الدكتوراه منذ ُ زمن ٍ بعيد ٍ بعض الطرائف عن نموذج غريب من بعض ٍ من هؤلاءِ القومِ والذين يُطلق عليهم أسم الأشعبيون وباللهجة العامية بـ ( اللّكَامة ) . واللّكَامة مفردة باللهجة العامية العراقية مُشتقـّة من كلمة باللغة العربية الفـُصحى هي اللقمة : أي مقدار ما يُوضعْ من الطعام في الفم في المرّة الواحدة وتطلق على الأشخاص الذين يعطون أولوية لطـَعامهم وإملاء بُطونهم على أي شئ آخر !! وغالباً ما تكون هذه ( الهواية ) نابعة من تراكمات نفسية وبيئية عديدة لا أريد الخوض فيها في هذا المقال والتي ليس لها بالضرورة علاقة بالحالة الإجتماعية أو المادية للشخص نفسه . فاللّكَامة يمكن مشاهدتهم في المجتمعات الغنية أوالفقيرة مع إختلاف التبريرات لسلوكياتهم في كِلا المجتمعين .
أما مفردة الأشعبي فقد جاءت كصفة من مفردة أخرى بالعربية الفصحى وهي كلمة أشعب ومعناها اللغوي عريض الكتفين ، فمن هو أشعب ؟؟ هو إسم لشخص مشهور بالطمع وهو أشعب بن جُبير المدني ويعرف بـ ( ابن أم حميدة ) وتقول بعض المصادر ان كنيتهُ ابو العلاء وقيلَ ان أمه جعدة مولاة أسماء بنت ابي بكر الصديق وتقول بعض المصادر الأخرى إنه قدِمَ بغداد أيام أبي جعفر المنصور وتوفي أيام المهدي وقد عاش عمراً طويلاً وقيلَ انه عمّرَ مائة وعشرين سنة وجاءت شُهرتِه من طمعهِ ولهُ نوادر وحكايات كثيرة في الأدب العربي وتذكر بعض المصادر بان خاله كان الأصمعي الشاعر الذائع الصيت . ومن نوادر أشعب انه قد مرّ َ بشخصٍ كان يصنع قفـّة ( سلـّة ) فقال لهُ أشعب أوسعها بربك ـ ـ فقال لهُ صانع القفـّة ولِما يا أشعب ـ ـ فأجابهُ لعلَ يهدي لي أحدهم فيها شيئاً !! .
وحيثُ ان صاحبي كان يسكنُ في حي الأعظمية في بغداد وقريباً من منطقة المحيط في الكاظمية ،فقد كان محل سكنه نموذجاً فريداً لإلتقاء منطقتين عريقتين وكبيرتين هما الأعظمية والكاظمية ، حيثُ تقام فيهما سنوياً الولائم الكبيرة في المناسبات الدينية والإجتماعية بحيث تُعتبر مثاليتين لتطفل اللكَامة عليهما !! .
إستهلّ محدثي حديثهُ معي بسؤالي عن مدى معرفتي بمعنى كلمة اللكَامة ؟ فأجبتهُ بالايجاب ثم أردف قائلاً هل سبق لك ان سمعتُ حكايات وطرائف عنهم ؟ فكان جوابي الشئ القليل ـ ـ ـ فقال لي إسمع هذه الطرائف ـ ـ ـ فقلتُ لهُ هاتِ ما عندكَ ، فبدأ كلامه أولاً بالحديث عن تعاون الأشعبيين ( اللكَامة ) مع بعضهم البعض بمجموعات صغيرة غالباً ما تكون معروفة في الحي الواحد أو المنطقة الواحدة وذلك لنقل الاخبار فيما بينهم عن مكان تواجد الولائم في الوقت واليوم المُحددين !! حيث يتم تقسيم الواجبات فيما بينهم وبالتتابع ، فتقع على أحدهم كل يوم مسؤولية شراء الصحف المحلّية للبحث فيها عن الولائم القريبة سواء ولائم الافراح أو المآتم !! ، أما ولائم المناسبات الدينية فتكون معروفة التواريخ مسبقاً !!! . وتقع مسؤولية الذهاب مُبكراً الى الدور المعنية بالولائم على شخصٍ آخر في حالة وجود أكثر من وليمة في وقتٍ واحد ٍ في الحي أو المنطقة أو المناطق القريبة لـ ( إستكشافها ) ، حيث ُ ( يمتطي ) دراجته الهوائية ويضع الصحف في جُعبتهِ ليستدل بها على العناوين و ( يتوكل على الله ) وحين يصل ( المُستكشف ) الى الدار المعنية يتوجه الى حاويات القِمامة لتفحصها ، فإن إحتوت على أمعاء الخروف وصوفهِ أو على ريش الدجاج وارجلهم فهذا يعني بان وليمة هذا الدار ستكون دَسِمة ، أما إذا إحتوت على زعانف وجلد الاسماك فهذا يعني بان الوليمة ستكون مُتعبة وغير مُجدية وذلك لأنها ستأخذ من ( الأشعبي ) الوقت الكثير وتُجبرهُ على التباطؤ في الطعام خوفاً من إبتلاع عِظام الأسماك !! فيعود الى جماعتهِ لإعلامهم بنتيجة ( التحري ) الذي قام بهِ وعندها يتم أتخاذ القرار الجماعي الى أية وليمة سيتوجهون !! .
ثم إستطرد مُحدثي قائلاً : في أحد الأيام إشتكى أحد هؤلاء الأشعبيون لجماعتهِ عن عدم تمكنهُ من اللحاق بالمحتفلين أو المدعويين عندما يبدأون بتناول الطعام وعدم حصوله على الطبق الدسم والغني بالبروتين ( اللحوم ) ، وذلك لكونه ضرير فتبرع أحد أفراد جماعته بإعلامه في المرة القادمة عن لحظة بدأ المدعويين بتناول الطعام وذلك بإعطاءه إشارة أو إيعاز بواسطة مفصل ذراعه ( عكسه ) إيذاناً بالبدء وفي حالة إسراع الحضور بتناول الطعام فسيعطيهِ إيعازاً آخراً بنفس الطريقة وهكذا ، كما وانه وقبل البدء بالطعام سيعمل على تقريب أحد الأطباق الدسمة ويضعهُ أمام صاحبه الضرير ليتسنى له الوصول اليهِ حال البدء بتناول الطعام ، وبالفعل فقد كانوا جميع الحضور ملتفين حول المائدة الطويلة من معزّين وأشعبيين والصمت يخيم على المكان حيث ُ بدأوا بتلاوة سورة الفاتحة ترحماً على روح الفقيد ، وشاءت الصدف ولسوء الحظ أن أستلم الضرير الايعاز وبشكل عفوي وغير مقصود من الجهة المعاكسة لوقوف صديقه حيث إحتكّ به شخص آخر واقف بجانبه من الطرف الآخر ، فظن الضرير بانها إشارة البدء فمد يده على الطبق وسمى باسم الله فنظر اليه الجميع مما أحرج صاحبه ومرشده وحاول هذا جلب إنتباه الضرير بـ ( لكزهِ ) بمفصل الذراع للتوقف عن تناول الطعام إلا أن الضرير إعتقد بأنها الإشارة الثانية للإسراع فإرتبك المرشد مرة ثانية وأعطاه إيعازاً آخراً وبقوة للتوقف عن تناول الطعام ، فما كان من الضرير إلا ان صرخ بأعلى صوته قائلاً : " على كيفكم يا جماعة ـ ـ ـ هسة بدينا بالأكل وهذا الماعون ( الطبق ) كُلّة اليّ لا أحد يمد إيدة ( يده ) علي ( عليه ) " و ( مؤشراً الى الطبق الدسم الذي أمامه ) !!! فتحول المآتم الى مكان للتندر والضحك على ما حصل َ .
هنالك أكلة عراقية أو ربما سورية تُسمى كبّة حلب ( ربما سُميت بهذا الأسم كنية الى مصدر صناعتها من حلب في سوريا ) . وقد تفنن العراقيين بصناعتها ، حيثُ تُحشى عجينة الرز باللحم المثروم مع الكرفس أو المعدنوس والكشمش واللوز أو الصنوبر وهي بحجم وشكل البيضة تقريباً لذيذة وسهلة المضغ !! وقد وجدها الأشعبيين ( اللكَامة ) من الوجبات المثالية لهم ، إذ إنها سريعة الالتهام وسهلة الهضم وغنية بمحتواها !! وقد تفننوا كثيراً بكيفية الإحتفاظ بها لأنفسهم في الولائم ، خاصة إذا كانت قليلة العدد ، حيثُ يقول محدثي ان أحدهم كان يمد يده ليلتقط واحدة من كبّة الحلب ثم يلتهم نصفها ويعيد النصف الآخر الى الطبق ثم يمد يده مرة أخرى ويلتقط واحدة أخرى صحيحة ويعيدها الى الطبق بعد أن يأتي على نصفها أيضاً وهكذا يضمن بان أحداً لم يتجرأ على التقاط أنصاف الكبّة ، وبعد فترة وجيزة يكون محتوى الطبق عبارة عن أنصاف من الكبّة فيعود ويأتي عليه حتى آخر نصف فيه !! .
وقد روى لي أحدهم عن أمرأة سمعت بِدعوة قريبتها لحفلة معينة فحاولت وبكل الوسائل التقرب من أصحاب الدعوة وذلك بالاتصال بهم والإستفسار عن صحتهم !! وهي بالكاد قد رأتهم مرة أو مرتين وبطريق الصدفة ،وبالطبع لم يكن أصحاب الدعوة بغافلين عن سبب إتصالها فجاملوها بالهاتف ولكن بدون دعوتها الى حفلتهم . فما كان منها إلا أن إتصلت بقريبتها وطلبت منها ( التوسط ) لدى أصحاب الدعوى لدعوتها ، وأيضاً كان الجواب واضح بان عدد المدعويين محدود وآسفين . لكنها لم ( تيأس ) فقررت في يوم الدعوة مرافقة قريبتها ووضع أصحاب الدعوة أمام الأمر الواقع ، وهذا ما حصل فعلاً !!! . ولهذا السلوك الغريب أسبابه العديدة منها الغيرة أو التباهي أو لاسباب ( أشعبية ) أي لتناول وجبة دسمة أو جميعها معاً .
كما ان هنالك رواية أخرى عن إمرأة إتصلت بالهاتف بإمرأة أخرى ليس لديها معرفة سابقة بها ولكنها سمعت عنها وطلبت زيارتها في اليوم التالي إذ كانت عطلة نهاية الأسبوع ، فقالت لها الإمرأة على الجانب الآخر من الهاتف آسفة جداً لأنني مريضة ولا أستطيع إستقبالك ، فما كان من هذه ( اللزكة ) إلا أن كررت طلبها ولكن لعطلة نهاية الأسبوع الذي يليه ، فكان جواب المرأة الثانية آسفة جداً لأنني ( سأكون مريضة ) الأسبوع القادم أيضاً وأغلقت سماعة الهاتف في وجهها !!! وقد أخذت هذه ( الأشعبية ) الأمر بروح رياضية !!! وقالت لم أخسر شئ فقد حاولتُ !!! أي ان خسارة كرامتها لا تعني لها بشئ مطلقاً !!! .
وهنالك من يذهب لتقديم التعازي لعائلة ( المرحوم ) وهو لم يرى المرحوم ولا أهله ولم يتعرف عليهم في حياته ولكن ( على صوت الطبل خفـّن يا رجلية ) والغيرة من الآخرين ومحاولة الحصول على وجبة دسمة وتحت عنوان ( ما فيش حد أحسن من حد !! ) تدفع البعض لهذا الفعل . صحيح ان التعرف على أناس جُدد والتواصل وخاصة في بلاد الغـُربة مهم ولكن يجب أن يكون هنالك توقيت وسبب معقول أو على الأقل سبب لا يؤول من قِبل الآخرين على إنهُ تزلّف وتملق بسبب أو بدونه ، كما وان جهل البعض بالأصول وأعرافه والكرامة ورِفعتها يدفعهم الى فعلِ ذلك .
يتبع في الجزء الثاني
سالم ايليا |